وقد ذكر محمد بن إسحاق ، عن عبد الملك بن عبد الله بن أبي سفيان بن العلاء بن
حارثة - قال : وكان واعية - عن بعض أهل العلم قال : وكان رسول الله صلى الله عليه
وسلم يخرج إلى حراء في كل عام شهرا من السنة يتنسك فيه ، وكان من نسك قريش في
الجاهلية ، يطعم من جاءه من المساكين ، حتى إذا انصرف من مجاورته لم يدخل بيته حتى
يطوف بالكعبة .
وهكذا روى عن وهب بن كيسان أنه سمع عبيد بن عمير يحدث عبد الله بن الزبير
مثل ذلك .
وهذا يدل على أن هذا كان عادة المتعبدين في قريش أنهم يجاورون في حراء للعبادة .
ولهذا قال أبو طالب في قصيدته المشهورة :
وثور ومن أرسى ثبيرا مكانه * وراق ليرقى في حراء ونازل
هكذا صوبه على رواية هذا البيت كما ذكره السهيلي وأبو شامة وشيخنا الحافظ
أبو الحجاج المزي رحمهم الله ، وقد تصحف على بعض الرواة فقال فيه : وراق ليرقى في
حر ونازل - وهذا ركيك ومخالف للصواب . والله أعلم .
وحراء يقصر ويمد ، ويصرف ويمنع ، وهو جبل بأعلى مكة على ثلاثة أميال منها
عن يسار المار إلى منى ، له قلة مشرفة على الكعبة منحنية ، والغار في تلك الحنية .
وما أحسن ما قال رؤبة بن العجاج :
فلا ورب الآمنات القطن * ورب ركن من حراء منحني
وقوله في الحديث : " والتحنث : التعبد " تفسير بالمعنى ، وإلا فحقيقة التحنث من
حيث البنية ( 1 ) فيما قاله السهيلي : الدخول في الحنث . ولكن سمعت ألفاظ قليلة في
هامش
( 1 ) الأصل والمطبوعة : من حنث البنية . وفى ا : من حنث الثنية وكله تحريف .