خز ( 1 ) أحمر ، مرافقها من وشى ( 2 ) أصفر ، وضربت حجب نسائه من وراء فسطاطه ، وحجر
بنيه وكتابه وحشمه قرب ذلك . فلما استوى سليمان في قبة العقبة ، ونظر إلى ما نصب له .
قال : يا عمر ، كيف ترى ها هنا ؟ قال : أرى دنيا عريضة ، يأكل بعضها بعضا ، أنت المسؤول
عنها ، والمأخوذ بها ، فبينما هما كذلك ، إذ طار غراب من سرادق سليمان ، في منقاره كسرة ،
فصاح الغراب . فقال سليمان : ما يقول هذا الغراب يا عمر ؟ قال عمر : ما أدري ، ولكن
إن شئت أخبرتك بعلم . قال سليمان : أخبرني . فقال عمر : هذا غراب طار من سرادقك
بكسرة ، هو يأكلها ، وأنت المأخوذ بها ، والمسؤول عنها من أين دخلت ، وأين خرجت ؟
قال سليمان : إنك لتجئ بالعجائب يا أبا حفص . فقال عمر : أفلا أخبرك بأعجب من هذا
يا أمير المؤمنين ؟ قال : أخبرني . قال من عرف الله تعالى كيف يعصاه ، ومن عرف الشيطان
كيف يطيعه ، ومن أيقن بالموت كيف يهنيه العيش ويسوغ له الطعام ، ومن أيقن بالنار كيف
يضحك ! فقال سليمان : نغصت علينا ما نحن فيه يا أبا حفص ، ومن يطيق ما تطيق أنت يا عمر ؟
أنت والله الموفق المطيع .
ما قال طاووس اليماني لسليمان بمكة
قالوا : إن إبراهيم بن مسلم أخبرهم عن رجاء بن حياة ، أنه نظر إلى طاووس اليماني
يصلي في المسجد الحرام ، فانصرف رجاء إلى سليمان بن عبد الملك وهو يومئذ بمكة قد حج ذلك
العام . فقال : إني رأيت طاووس في المسجد ، فهل لك أن ترسل إليه ؟ قال : فأرسل إليه
سليمان . فلما أتاه قال رجاء لسليمان : يا أمير المؤمنين ، لا تسأله عن شئ حتى يكون هو
الذي يتكلم . فلما قعد طاووس سكت طويلا . ثم قال : وما أول شئ خلق ! فقلنا : لا ندري .
فقال أول شئ خلق : القلم . ثم قال : أتدرون ما أول شئ كتب ؟ قلنا : لا ، قال : فإن أول
ما كتب بسم الله الرحمن الرحيم ، ثم كتب القدر خيره وشره إلى يوم القيامة . ثم قال :
أتعلمون من أبغض الخلق إلى الله ؟ قلنا : لا ، فقال : إن أبغض الخلق إلى الله تعالى عبد
أشركه الله في سلطانه ، فعمل فيه بمعاصيه ، ثم نهض . قال رجاء : فأظلم علي البيت ، فما زلت
خائفا عليه حتى توارى ، فرأيت سليمان يحك رأسه بيده ، حتى خشيت أن تجرح أظفاره
لحم رأسه .
هامش
( 1 ) الخز : الحرير .
( 2 ) الوشى : المنقوش من الثياب أو القماش المزركش .