من البلاد إلى الأندلس . قال : فأصاب فيها ما لا يدرى ما هو ، ثم سار حتى جاوزها بعشرين
ليلة ، وبين سرقسطة وقرطبة شهر أو أربعون يوما .
قال : وذكروا أن عبد الله بن المغيرة بن أبي بردة ، قال : كنت ممن غزا مع موسى
الأندلس حتى بلغنا سرقسطة ، وكانت من أقصى ما بلغنا مع موسى إلا يسيرا من ورائها ،
فأتينا مدينة على بحر ، ولها أربعة أبواب . قال : فبينما نحن محاصروها إذ أقبل عياش بن أخيل ،
صاحب شرطة موسى ، فقال أيها الأمير ، إنا قد فرقنا الجيش أرباعا على نواحي المدينة ، وقد
بقي الباب الأقصى ، وعليه رتبة . قال له موسى بن نصير : دع ذلك الباب فإنا سننظر فيه . قال :
ثم إن موسى التفت إلي فقال لي : كم معك من الزاد ؟ قلت : ما بقي معي غير تليس ( 1 ) ، قال :
فأنت لم يبق معك غير تليس ، وأنت من أمراء الجيش ، فكيف غيرك ! اللهم أخرجهم من
ذلك الباب . قال المغيرة : فأصبحنا من تلك الليلة وقد خرجوا من ذلك الباب ، فدخلها موسى
منه ، ووجه ابنه مروان في طلبهم فأدركهم ، فأسرع القتل فيهم ، وأصابوا مما كان معهم ، ومما
في المدينة شيئا عظيما . قال : وذكروا أن جعفر بن الأشتر ، قال : كنت فيمن غزا الأندلس
مع موسى ، فحاصرنا حصنا من حصونها عظيما ، بضعا وعشرين ليلة ، ثم لم نقدر عليه . فلما
طال ذلك عليه نادى فينا ، أن أصبحوا على تعبئة ، وظننا أنه قد بلغه مادة من العدو ، وقد دنت
منا ، وأنه يريد التحول عنهم ، فأصبحنا على تعبئة ، فقام فحمد الله ، ثم قال : أيها الناس ، إني
متقدم أمام الصفوف ، فإذا رأيتموني قد كبرت وحملت ، فكبروا واحملوا . فقال الناس :
سبحان الله ، أترى فقد عقله أم عزب عنه رأيه ، يأمرنا نحمل على الحجارة وما لا سبيل إليه !
قال : فتقدم بين يدي الصفوف حيث يراه الناس ، ثم رفع يديه وأقبل على الدعاء والرغبة ،
فأطال ونحن ركوب منتظرون تكبيره ، فاستعددنا ، ثم إن موسى كبر ، وكبر الناس ، وحمل
وحمل الناس ، فانهدت ناحية الحصن التي تلينا ، فدخل الناس منها ، وما راعني إلا خيل المسلمين
تمزع فيها ، وفتحها الله علينا ، فأصبنا من السبي والجواهر ما لا يحصى .
قال : وحدثتني مولاة لعبد الله بن موسى ، وكانت من أهل الصدق والصلاح ، أن موسى
حاصر حصنها الذي كانت من أهله ، وكان تلقاءه حصن آخر . قالت : فأقام لنا محاصرا حينا ،
ومعه أهله وولده ، وكان لا يغزو إلا بهم لما يرجو في ذلك من الثواب . قالت : ثم إن أهل
الحصن خرجوا إلى موسى فقاتلوه قتالا شديدا ، ففتح الله عليه . قالت : فلما رأى ذلك أهل
هامش
( 1 ) التليس يتشد اللام : الكيس الكبير أو الشوال الكبير .