إن أشهدك يا حجاج أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأن محمدا عبده ورسوله ،
أسحفظكهن يا حجاج حتى ألقاك . فلما أدبر ضحك . قال الحجاج : ما يضحكك يا سعيد ؟ قال :
عجبت من جرأتك على الله ، وحلم الله عليك ! قال الحجاج : إنما أقتل من شق عصا الجماعة
ومال إلى الفرقة التي نهى الله عنها ، اضربوا عنقه . قال سعيد : حتى أصلي ركعتين ، فاستقبل
القبلة وهو يقول : وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا مسلما وما أنا من
المشركين . قال الحجاج : اصرفوه عن القبلة إلى قبلة النصارى ، الذين تفرقوا واختلفوا بغيا
بينهم ، فإنه من حزبهم ، فصرف عن القبلة . فقال سعيد : فأينما تولوا فثم وجه الله الكافي
بالسرائر . . قال الحجاج : لم نوكل بالسرائر ، وإنما وكلنا بالظواهر . قال سعيد : اللهم لا تترك
له ظلمي ، واطلبه بدمي ، واجعلني آخر قتيل يقتل من أمة محمد . فضربت عنقه . ثم قال الحجاج
هاتوا من بقي من الخوارج ، فقرب إليه جماعة فأمر بضرب أعناقهم ، وقال : ما أخاف
إلا دعاء من هو في ذمة الجماعة من المظلومين ، فأما أمثال هؤلاء فإنهم ظالمون حين خرجوا
عن جمهور المسلمين ، وقائد سبيل المتوسمين .
وقال قائل : إن الحجاج لم يفرغ من قتله حتى خولط في عقله ، وجعل يصيح : قيودنا ،
يعني القيود التي كانت في رجل سعيد بن جبير ، ويقول : متى كان الحجاج يسأل عن القيود
أو يعبأ بها ؟ وهذا يمكن القول فيه لأهل الأهواء في الفتح والاغلاق .
ذكر بيعة الوليد وسليمان ابني عبد الملك
قال : وذكروا أنه لما فرغ الحجاج من قتل الخوارج ، وتم له أمر العراق ، فاستقر
ملك عبد الملك ، كتب إليه الحجاج أن يبايع للوليد ابنه ، ويكتب له عهده للناس ؟ فأبى ذلك
عبد الملك ، لأن أخاه عبد العزيز كان حيا ، وكان قد استعمله عبد الملك على مصر ، وكتب
إلى الحجاج يوبخه ، ويقول له مالك أنت والتكلم بهذه ؟ وكانت البيعة بالشام لهما جميعا ، إذ
مات مروان ، وكان عبد العزيز نظير عبد الملك في الحزم والرأي والعقل والذكاء ، وكان عبد
الملك لا يفضل عبد العزيز في شئ إلا باسم الخلافة : حتى لربما كان عبد الملك يأمر بالشئ ،
فيريد عبد العزيز غيره ، ويرى خلافه ، فيرده إلى رأيه ولا يمضيه ، وكان لا ينكر ذلك عبد
الملك ، فلما كانت سنة إحدى وثمانين عقد عبد الملك لموسى بن نصير على إفريقية وما حولها ،
ووجهه إلى من بها من البربر يقاتلهم ، وضم إليه برقة ، فلما قدم موسى بن نصير متوجها ،
انتهى ذلك إلى عبد العزيز ، فرده من مصر إلى الشام ، وبعث قرة بن حسان الثعلبي : فانصرف
موسى بن نصير إلى الشام لعبد الملك ، وذكر امتهانا ناله من عبد العزيز وما استقبله به إلى كلام
الإمامة والسياسة المعروف بتاريخ الخلفاء — صفحة 44
مساهمون: ابن قتيبة الدينوري
ص٤٤