الدرة . ثم قال للحاجب : ائذن للناس ، فدخل عليه رجل من الموالي ، كان أشجع الناس في
زمانه ، يقال له عمرو بن الصلت . فقال له الحجاج : هل كان وراءك من غيث ؟ قال : نعم .
أصلح الله الأمير ، أصابتني سحابة بموضع كذا وكذا ، فلم أزل أطأ في أثرها ، حتى دخلت
على الأمير . فقال له الحجاج : أما والله لئن كنت في المطر أقصرهم خطبة ، إنك بالسيف
لأطولهم باعا وخطوة .
ولما انهزم بن الأشعث ، قام بعده عبد الرحمن بن عياش بن ربيعة ، فقاتل الحجاج ثلاثة
أيام ، ثم انهزم ، فوقع بأرض فارس ، ثم صار إلى السند ، فمات هناك . وتحصن ناس من
أصحاب ابن الأشعث في قلعة بأرض فارس ، منهم عبد الرحمن بن الحارث بن نوفل ، والفضل
ابن عياش ، وعمرو بن موسى التميمي ، ومحمد بن سعد أبي وقاص ، وعبيد الله ، ومحمد ،
وإسحاق ، وعون ، بنو عبد الله بن الحارث في ناس من قريش ، ولحق سعيد بن جبير بمكة ،
فأشعر به الحجاج ، فغفل عنه ولم يهيجه ، فبعث الحجاج يزيد بن المهلب ، فحاصرهم بفارس .
قال أبو معشر : حدثني عون قال : كتب إلينا يزيد بن المهلب ، أن أخبروني بآية بيني ( 1 )
وبينكم حتى أخرجكم . قال : فكتب إليه عبد الله بن الحارث : كنت يوم كذا وكذا في
دارنا . قال : فأخرجه وبنيه ، فسكنا عمان . وأسر من بقي ، وأسروا اثنى عشر رجلا من
وجوه الناس عامتهم من قريش ، منهم عمرو ابن موسى التميمي ومحمد بن سعد بن أبي وقاص ،
فبعث بهم إلى الحجاج فحبسهم عنده ، وكتب إلى عبد الملك يخبره بأمرهم ، وجعل يذكر في كتابه
أن سعيد قد أنكر الخروج مع هؤلاء القوم ، فكتب إليه عبد الملك يأمره بضرب أعناقهم
ويقول في كتابه : لم أبعثك مشفعا وإنما بعثتك منفذا مناجزا لأهل الخلاف والمعصية . فأبرزهم
الحجاج ، فقال لعمرو بن موسى : يا عاتق قريش وكان شابا جميلا ، ما لك أنت وللخروج ، إنما
أنت عاتق ( 2 ) صاحب ثياب ولعب ؟ فقال له عمرو : أيها الرجل ، امض لما تريد ، فإنما نزلت بعهد
الله وميثاقه ، فإن شئت فأرسل يدي ، وبرئت مني الذمة . فقال له الحجاج : كلا ، حتى أقدمك
إلى النار ، فضربت رقبته ، ثم جئ بمحمد بن سعد ، فقال له : يا ظل الشيطان ، وكان رجلا
طويلا ، ألست بصاحب كل موطن ؟ أنت صاحب الحرة ، وصاحب يوم الزاوية ، وصاحب
الجماجم . فقال له : إنما نرلت بعهد الله وميثاقه ، أرسل يدي وبرئت مني الذمة ، قال : لا ، حتى
هامش
( 1 ) الآية : المراد بها هنا العلامة .
( 2 ) العاتق : الجميل والشريف والكريم والنجيب والحر والمراد به هنا الجميل .