ويكون هلاكك بيدي من اتهمته وعاديته . فلعمري لقد طال ما تطاولت ، وتمكنت وأخطيت ،
وخلت أن لن تبور ، وأنت في فلك الملك تدور ، وأظن مصداق ما أقول ستخبره عن قريب
فسر لأمرك ، ولاق عصابة خلعتك من حبالها خلعها نعالها . وتدرعت جلالها ( 1 ) ، تجرعها
مطالها ، لا يحذرون منك جهدا ، ولا يرهبون منك وعيدا ، يتأملون خزايتك ، ويتجرعون
إمارتك ، عطاشا إلى دمك ، يستطعمون الله لحمك ، وأيم الله لينافقنك منهم الأبطال ، الذين
بيتهم فيما يحاولونك به على طاعة الله ، شروا ( 2 ) أنفسهم تقربا إلى الله ، فأغض عن ذلك يا بن
أم الحجاج . فسنحمل عليك إن شاء الله ، ولا حول ولا قوة إلا بالله ، والسلام على أهل
طاعة الله .
فلما قدم الكتاب على الحجاج ، خرج موائلا قد أخذ بطرف ردائه ، وألقى الطرف الآخر
يجره من خلفه حتى صعد المنبر ونودي : الصلاة جامعة ، فاجتمع الناس ثم قال :
نقاتلهم ولم نشتم عدوا * وشر عداوة المرء السباب
امرؤ وعظ نفسه بنفسه ، امرؤ تعاهد غفلة نفسه وتفقدها جهده ، امرؤ وعظ بغير فاتعظ ،
قد تبين لكم ما تأتون وما تبغون ، العجب العجب ، وما هو أعجب من العير ( 3 ) الأبتر ، إني وجهته
ومن معه من المنافقين لسبع مئة وزن سبعة سواء ، فانطلقوا في نحور العدو ، ثم أقبلوا على
راياتهم لقتال أهل الإسلام ، من أجل عير أبتر ، ومن كيده ما هو أعجب العجب ، على حين
أننا قد أمنا الخوارج ، وأطفأنا الفتن ، فكان من شكركم يا أهل العراق ليد الله فيكم ، ونعمته
عليكم ، وإحسانه إليكم ، جرأتكم على الله ، وانتهاككم حرمته ، واغتراركم بنعمة الله ،
ألم يأتكم شبيب مهزوما ذليلا ، فهلا توجهت إليه منكم خمسة وعشرون أمير جيش ، ليس منهم
من أمير جيش إلا وهو في جنده بمنزلة العروس التي يزف بها إلى خدرها ، فيقتل أميرهم وهم
وقوف ينظرون إليه ، لا يرون له حرمة في صحبة ، ولا ذماما في طاعة ، فقبحت تلك الوجوه !
فما هذا الذي يتخوف منكم يا أهل العراق ، أما هذا الذي نتقي ؟ والله لقد أكرمنا الله بهوانكم
وأهانكم بكرامتنا ، في مواطن شتى تعرفونها ، وتعرفون أشياء حرمكم الله اتخاذها ، وما الله
هامش
( 1 ) الجلال : الأمور العظيمة .
( 2 ) شروا أنفسهم : باعوها .
( 3 ) العير : بفتح العين وسكون الياء الحمار ، الأبتر المقطوع الذنب