حريق الكعبة
قال : فجاء رجل في طرف سنان رحمه نار ، فأشعلها في الفسطاط ، فوقعت النار على الكعبة ،
فاحترق الخشب ، وانصدع الركن ، واحترقت الأستار ، وتساقطت إلى الأرض . قال : ثم قاتل
أهل الشام أياما بعد حريق الكعبة ، واحترقت في ربيع الأول سنة أربع وستين . قال : فلما
احترقت جلس أهل مكة في ناحية الحجر ، ومعهم ابن الزبير ، وأهل الشام يرمونهم بالنبل .
قال : فوقعت بين يديه نبلة . قال : في هذه خبر ، فأخذوها فوجدوا بها مكتوبا : مات يزيد
ابن معاوية يوم الخميس لأربع عشرة ليلة خلت من ربيع الأول . فلما قرأ ذلك ابن الزبير قال :
يا أهل الشام ، يا محرقي بيت الله ، يا مستحلي حرم الله ، علام تقاتلون ؟ وقد مات طاغيتكم يزيد
ابن معاوية ، فأتاه الحصين بن نمير فقال له : موعدك البطحاء الليلة يا أبا بكر . فلما كان الليل
خرج ابن الزبير بأصحابه ، وخرج الحصين بأصحابه إلى البطحاء ، فتنحى كل واحد منهما من
أصحابه وانفردا ، فقال الحصين : يا أبا بكر ، قد علمت أني سيد أهل الشام ، لا أدافع عن
ذلك ، وأن أعنة خيلهم بيدي ، وأرى أهل الحجاز قد رضوا بك ، فأبايعك الساعة ، على أن
تهدر كل شئ أصبناه يوم الحرة ، وتخرج معي إلى الشام ، فإني لا أحب أن يكون الملك
في الحجاز . قال : لا والله لا أفعل لا أؤمن من أخاف الناس ، وأحرق بيت الله ، وانتهك
حرمته . فقال الحصين : بلى ، فافعل ، فعلي ألا يختلف عليك اثنان . فأبى ابن الزبير . فقال له
الحصين لعنك الله ، ولعن من زعم أنك سيد ، والله لا تفلح أبدا ، اركبوا يا أهل الشام . فركبوا
وانصرفوا قال : فحدثني من شهد انصرافهم ، قال : والله إن كانت الوليدة لتخرج فتأخذ
الفارس ما يمتنع . قال أبو معشر : وذلك أن المنهزم لا فؤاد له . قال : فبايع أهل الشام كلهم
ابن الزبير ، إلا أهل الأردن ، وبايع أهل مصر ابن الزبير ، وغلب على أهل العراق
والحجاز واليمن ، وغلظ أمره ، وعظم شأنه ، واستخلف ابن الزبير الضحاك بن قيس على
أهل الشام .
اختلاف أهل الشام على ابن الزبير
قال : وذكروا أن ابن الزبير لما استخلف الضحاك على أهل الشام ، قام أناس من أهل الشام
من رؤس قريش بني أمية وأشرافهم وفيهم روح بن زنباع الجذامي ، فقال بعضهم : إن الملك
كان فينا أهل الشام ، أفينتقل ذلك إلى أهل الحجاز ؟ لا نرضى بذلك ، هل لكم أن تأخذوا
رجلا منا فينظر في هذا الأمر ؟ قالوا : نعم . فجاءوا إلى خالد بن يزيد بن معاوية ، وهو غلام
الإمامة والسياسة المعروف بتاريخ الخلفاء — صفحة 12
مساهمون: ابن قتيبة الدينوري
ص١٢