كتاب أبي مسلم ، أن يرجع ابن قحطبة ببعض عساكره إلى العراق ، فيكون فيها حتى يأتيه أمره ،
فأتى صالح بن علي كتابه بأنه قد صير إليه الشام ، وما وراءها إلى المغرب ، ويأمره فيه ببعثه
الجيوش في طلب مروان ، فولى صالح بن علي رجلا من الأزد ، يقال له أبو عون على مصر ،
وأمره بطلب مروان في أرض المغرب ، وبعثه في عشرين ألفا ، وكان سليمان بن هشام بن عبد الملك
قد نافر مروان بن محمد ، وقاتله مرارا قبل أن يشتد أمر أبي مسلم ، فسار إليه في أربعة آلاف ،
وذلك بعد خروج قحطبة من عند أبي مسلم ، فنزل به سليمان ، وكانت بينه وبين أبي العباس مودة
قديمة ، فبايع أبا مسلم على طاعة أبي العباس ، فسر به أبو مسلم وشيعته ، ثم سيره في طلب قحطبة
ممدا له ، وقد قاتل مروان قحطبة قبل قدوم سليمان بيومين ، فلما نظر مروان إلى دخول سليمان
ابن هاشم في عسكر قحطبة ، وكثرة من جاء معه انهزم ، فمضى سليمان مع حميد بن قحطبة في
طلبه ، ولم يكن مروان انهزم عنه غلبة ، ولكنه كان نظر في كتب الحدثان ، فوجد فيها أن
طاعة المسودة ( 1 ) لا تجاوز الزاب ( 2 ) ، فقال ذلك لوزرائه . فقيل له : إن بمصر زابا آخر .
قال : فإليها نذهب إذا ، والزاب الذي أراد علمه هو بأرض المغرب ، فأقبل مروان وهو يريد
مصر ، فالتقت الخيل ، فانهزمت خيل أبي عون ، وأسر جماعتهم وصاحب أمرهم ، فأتى مروان
بالأسارى ، فقال مروان لجماعته : شدوا أيديكم بالأسرى ، فقد أجننا الليل ، وبات مسرورا .
فلما أصبح جعل يهنئ أصحابه للقاء القوم ، فأقبل سليمان بن هشام ، وأبو عون وكان مروان
قد أرخى حبال الجسر ، وتوسط أصحابه فيما هنالك وهم آمنون . فقال أبو عون للقبط ( 3 ) : هل
لهذا النهر من مخاضة ، فقالوا له : ما علمنا ذلك ، ولا بلغنا أن أحدا خاضه قط ، فقطع عما قصد
وأراد . فكتب إلى صالح بن علي بذلك ، ويسأله أن يبعث إليه بمراكب ساحل البحر عاجلا ،
فبينما هو في ذلك ، إذ أتاه رجل من القبط فقال له : إن أبي كان يقرأ الكتاب ، وكان يحدثنا
بأمور تكون بعده ، ويصف لنا موضعا يجعله الله لكم تخوض فيه الخيل عند تلك الأمور ، وقد
اختبرت ذلك الليلة ، فسر بذلك أبو عون ، ثم بعث معه الخيل إلى ذلك الموضع ، بعد أن وصله
ووعده خيرا وكان مروان نظر إلى الرايات السود بناحية مصر ، ونظر إلى الخيل تعدو النهر ،
ولا يشك أنهم لا يجدون سبيلا إلى عبوره ، فلم ينشب أهل عسكر مروان أن نظروا إلى خيل
أبي عون قد جاوزت النيل ، فعبأ مروان أصحابه وأهل بيته ، ثم خطبهم وحضهم على الصبر .
هامش
( 1 ) المسودة : العباسيون لأن شعارهم كان لبس الأسود
( 2 ) الزاب : نهر بالموصل ونهر بإربل ونهر بين سوراء وواسط ، ولكنهم يطلقون الزاب
هنا على مطلق النهر ، بدليل قولهم إن بمصر زابا آخر وليس بمصر غير النيل
( 3 ) القبط : أهل مصر الأصليون .