مولى محمد بن علي ، ففعلوا ، فكان يحيى بن محمد يتبعهم ويسألهم ، فيقول : ما قصتكم
وفي أي شئ جئتم ؟ فلا يخبرونه ، فذكروا ذلك لإبراهيم . فقال احذروه ، فإنه قليل العقل ،
ضعيف الرأي . فجاء إلى إبراهيم فقال له : إن علي دينا ، والله لئن لم تعطني قضاء ديني ،
لأرفعن أمرك إلى عبد العزيز بن عمر ، وهم يومئذ على الموسم ، فأعطاه خمسة آلاف درهم ،
وقدموا بأبي مسلم معهم ، وقد خرج أصحابه من السجن ، فأعلموا إبراهيم أنه مولاه . فقال
لسليمان : قد ربا ( 1 ) أمركم ، فأنت على الناس ، فأخرج إلى خراسان ، وقد كان أبو مسلم
قدم على إبراهيم قبل أن ينصرف أصحابه ، فرأى عقله وظرفه . فكتب إلى أصحابه : إني قد
أمرته على خراسان ، وما غلب عليها ، فأتاهم فلم يقبلوا قوله ، وخرجوا من قابل ، فالتقوا
بمكة ، فأعلمهم أبو مسلم أنهم لم ينفذوا كتابه . قال إبراهيم : إنه قد أجمع رأيه على هذا ،
فاسمعوا له وأطيعوا . ثم قال لأبي مسلم : يا أبا عبد الرحمن إنك رجل منا أهل البيت ، فاحفظ
وصيتي ، أنظر هذا الحي من اليمن فأكرمهم ، فإن الله لا يتم هذا الأمر إلا بهم ، وانظر
هذا الحي من ربيعة ، فإنهم معهم ، وانظر هذا الحي من مضر ، فإنهم العدو القريب
الدار ، فاقتل من شككت في أمره ، ومن وقع في نفسك منه تهمة . فقال : أيها الإمام ،
فإن وقع في أنفسنا من رجل هو على غير ذلك ، أحبسه حتى تستبينه ؟ فقال : لا ، السيف
السيف ، لا تتق العدو بطرف ( 2 ) . ثم قال للشيعة : من أطاعني فليطع هذا ، يعني أبا مسلم ،
ومن عصاه فقد عصاني . ثم قال له : إن استطعت أن لا تدع بخراسان أرضا فيها عربي
فافعل ، وأيما غلام بلغ خمسة أشبار ، فاتهمته فاقتله ، ولا تخالف هذا الشيخ ، يعني سليمان بن
كثير ، ولا تعصه ، فشخصوا إلى خراسان ، ووقعت العصبية بخراسان ، بين نصر بن سيار ،
وكان عامل مروان عليها ، وبين الكرماني . فدخل على نصر بن سيار رجل فقال له : إن مروان
ابن محمد قد خالف ما ظن به الناس : وقد كان رجى وأمل ، وما أرى أمره إلا وقد
انتقض ، واجترأت عليه الخوارج ، وانتقضت عليه البلاد ، وخرج عليه ثابت بن نعيم ، ورأى
الاشتغال بلذاته أهم عليه ، فلو اجتمعت كلمتك مع الكرماني فإني خائف أن يوقعك هذا
الخلاف فيما نكره وأنت شيخ العرب وسيدها ، وأرى والله في هذه الكور شيئا ، وأسمع
أمورا أخاف أن تذهب ، أو تذهل منها العقول . فقال نصر بن سيار : والله ما أ ؟ هم عقلك
ولا نصيحتك ، ولكن أكفف عن هذا القول ، فلا يسمعن منك ، فالتحم ما بين الرجلين ،
وهاجت الحرب وتقاتلوا ، وجعلت رحال الشيعة تجتمع في الكور الألف والألفان ، فيجتمعون
هامش
( 1 ) ربا أمركم : زاد وارتفع شأنكم
( 2 ) الطرف : النظر