فإن الذي نحن وأنت فيه ليس أول أمر قاده البلاء ، وساقته العافية ، وإنك رأس هذا الجمع بعد
علي ، فانظر فيما بقي بغير ما مضى ، فوالله ما أبقت هذه الحرب لنا ولا لكم حياة ولا صبرا . واعلم
أن الشام لا تهلك العراق ، وأن العراق لا تهلك إلا بهلاك الشام ، فما خيرنا بعد أعدادنا منكم ؟
وما خيركم بعد أعدادكم منا ؟ ولسنا نقول : ليت الحرب عادت ، ولكنا نقول : ليتها لم تكن .
وإن فينا لمن يكره البقاء كما فيكم ، وإنما هما ثلاثة : أمير مطاع ، أو مأمور مطيع ،
أو مشاور مأمون . فأما العاصي السفيه فليس بأهل أن يدعى في ثقات أهل الشورى ،
ولا خواص أهل النجوى .
جواب عبد الله بن عباس إلى عمرو بن العاص
قال : وذكروا أنه لما انتهى كتاب عمرو إلى ابن عباس ، أتى به إلى علي ، فأقرأه إياه ،
فقال علي : قاتل الله ابن العاص ، أجبه . فكتب إليه : أما بعد ، فإني لا أعلم رجلا أقل حياء
منك في العرب ، إنك مال بك الهوى إلى معاوية ، وبعته دينك بالثمن الأوكس ، ثم خبطت
الناس في عشواء ، طمعا في هذا الملك ، فلما ترامينا ، أعظمت الحرب والرماء إعظام أهل الدين ،
وأظهرت فيها كراهية أهل الورع ، لا تريد بذلك إلا تمهيد الحرب ، وكسر أهل الدين ، فإن
كنت تريد الله فدع مصر ، وارجع إلى بيتك ، فإن هذه حرب ليس فيها معاوية كعلي ، بدأها
علي بالحق ، وانتهى فيها إلى العذر ، وبدأها معاوية بالبغي ، وانتهى فيها إلى السرف ، وليس أهل
الشام فيها كأهل العراق ، بايع أهل العراق عليا وهو خير منهم ، وبايع أهل الشام معاوية وهم
خير منه ، ولست أنا وأنت فيها سواء ، أردت الله ، وأنت أردت مصر ، وقد عرفت الشئ
الذي باعدك مني ، ولا أعرف الشئ الذي قربك من معاوية ، فإن ترد شرا لا تفتنا به ، وإن
ترد خيرا لا تسبقنا إليه .
أمر معاوية مروان بحرب الأشتر
قال : وذكروا أن معاوية دعا مروان بن الحكم ، فقال : يا مروان ، إن الأشتر قد غمني ، فأخرج
بهذه الخيل ، فقاتله بها غدا . فقال مروان : ادع لها عمرا ، فإنه شعارك دون دثارك . قال معاوية :
وأنت نفسي دون وزيري . قال مروان ، لو كنت كذلك ألحقتني به في العطاء ، وألحقته بي في
الحرمان ، ولكنك أعطيته ما في يدك ، ومنيتني ما في يدي غيرك ، فإن غلبت طاب المقام ، وإن
غلبت خف عليك المهرب . قال معاوية : يغني الله عنك ، قال : أما اليوم فلا . فدعا معاوية
عمرا ، فأمره بأمره ، فقال : أما والله لئن فعلت لقد قدمتني كافيا ، وأدخلتني ناصحا ، وقد
غمك القوم في مصر ، فإن كان لا يرضيهم إلا أخذها فخذها ، عليها لعنة الله ، أما والله يا أمير
الإمامة والسياسة المعروف بتاريخ الخلفاء — صفحة 99
مساهمون: ابن قتيبة الدينوري
ص٩٩