خذلتم عليا ، كان هذا بهذا ، ولكنكم خذلتم حقا ، ونصرتم باطلا ، ثم لم ترضوا أن تكونوا
كالناس ، حتى أشعلتم الحرب ، ودعوتم إلى البراز ، فقد والله وجدتم رجال الحرب من أهل
الشام سراعا إلى برازكم ، غير أنكاس عن حربكم ، ثم لم ينزل بعلي أمر قط إلا هونتم عليه
المصيبة ، ووعدتموه الظفر ، وقد والله أخلفتموه ، وهان عليكم بأسكم ، وما كنتم لتخلوا به
أنفسكم ، من شدتكم في الحرب ، وقدرتكم على عدوكم ، وقد أصبحتم أذلاء على أهل أهل الشام ،
لا يرون حربكم شيئا ، وأنتم أكثر منهم عدد ومددا ، وقد والله كاثروكم بالقلة ، فكيف لو كانوا
مثلكم في الكثرة ؟ والله لا تزالون أذلاء في الحرب بعدها أبدا ، إلا أن يكون معكم أهل الشام ،
وقد أخذت الحرب منا ومنكم ما قد رأيتم ، ونحن أحسن بقية ، وأقرب إلى الظفر ، فاتقوا
الله في البقية .
فضحك قيس وقال : والله ما كنت أراك يا نعمان تجترئ على هذا المقام ، أما المنصف المحق
فلا ينصح أخاه من غش نفسه ، وأنت والله الغاش لنفسه ، المبطل فيم انتصح غيره ، أما ذكرك
عثمان فإن كان الإيجاز يكفيك فخذه ، قتل عثمان من لست خيرا منه ، وخذله من هو خير منك ،
وأما أصحاب الجمل فقاتلناهم على النكث ، وأما معاوية فلو اجتمعت العرب على بيعته لقاتلتهم
الأنصار ، وأما قولك : إنا لسنا كالناس ، فنحن في هذه الحرب كما كنا مع رسول الله صلى الله
عليه وسلم نتقي السيوف بوجوهنا ، والرماح بنحورنا ، حتى جاء الحق وظهر أمر الله وهم كارهون .
ولكن أنظر يا نعمان : هل ترى مع معاوية إلا طليقا أعرابيا ، أو يمانيا مستدرجا ؟ وانظر أين
المهاجرون والأنصار ، والتابعون بإحسان ، الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه ؟ ثم أنظر هل
ترى مع معاوية غيرك وغير صويحبك ، ولستما والله بدريين ، ولا عقبيين ( 1 ) ، ولا لكما سابقة في
الإسلام ، ولا آية في القرآن .
كتاب عمرو إلى ابن عباس
قال : وذكروا أن معاوية قال لعمرو بن العاص : إن رأس أهل العراق مع علي عبد الله
ابن عباس ، فلو ألقيت إليه كتابا ترفق فيه ، فإن قال شيئا لم يخرج منه على ، وقد أكلتنا هذه
الحرب ، ولا أرانا نطيق العراق إلا بهلاك الشام . فقال له عمرو : إن ابن عباس لا يخدع ،
ولو طمعت فيه طمعت في علي . قال معاوية : على ذلك . فكتب عمرو إلى ابن عباس : أما بعد ،
هامش
( 1 ) أي لم تبايعا بيعة العقبة .