وتداركوا خلافة رسول الله قبل أن يسلبها أهلها ، فإن كتاب الله قد بدل ، وسنة رسوله قد
غيرت ، وأحكام الخليفتين قد بدلت ، فننشد الله من قرأ كتابنا من بقية أصحاب رسول الله
والتابعين بإحسان ، إلا أقبل إلينا ، وأخذ الحق لنا ، وأعطاناه ، فأقبلوا إلينا إن كنتم تؤمنون
بالله واليوم الآخر ، وأقيموا الحق على المنهاج الواضح الذي فارقتم عليه نبيكم ، وفارقكم عليه
الخلفاء ، غلبنا على حقنا واستولى على فيئنا ، وحيل بيننا وبين أمرنا ، وكانت الخلافة بعد نبينا
خلافة نبوة ورحمة ، وهي اليوم ملك عضوض ( 1 ) . من غلب على شئ أكله . أليس هذا كتابكم
إلينا ؟ فبكى طلحة ، فقال الأشتر : لما حضرنا أقبلتم تعصرون أعينكم ، والله لا نفارقه حتى
نقتله ، وانصرف . قال : ثم كتب عثمان كتابا بعثه مع نافع بن طريف إلى أهل مكة ومن حضر
الموسم يستغيثهم فوافى به نافع يوم عرفة بمكة ، وابن عباس يخطب ، وهو يومئذ على الناس كان
قد استعمله عثمان على الموسم ، فقام نافع ففتح الكتاب ، فقرأ ، فإذا فيه : بسم الله الرحمن
الرحيم من عبد الله عثمان أمير المؤمنين ، إلى من حضر الحج من المسلمين ، أما بعد . فإني كتبت
إليكم كتابي هذا وأنا محصور ، أشرب من بئر القصر ، ولا آكل من الطعام ما يكفيني ، خيفة
أن تنفد ذخيرتي . فأموت جوعا أنا ومن معي ، لا أدعى إلى توبة أقبلها ، ولا تسمع مني حجة
أقولها ، فأنشد الله رجلا من المسلمين بلغه كتابي إلا قدم علي ، فأخذ الحق في ، ومنعني من الظلم
والباطل . قال : ثم قام ابن عباس ، فأتم خطبته ، ولم يعرض لشئ من شأنه . وكتب إلى أهل
الشام عامة ، وإلى معاوية وأهل دمشق خاصة : أما بعد فإني في قوم طال فيهم مقامي ، واستعجلوا
القدر في ، وقد خيروني بين أن يحملوني على شارف ( 2 ) من الإبل إلى دخل ( 3 ) . وبين أن أنزع
لهم رداء الله الذي كساني ( 4 ) . وبين أن أقيدهم ( 5 ) ممن قتلت . ومن كان على سلطان يخطئ
ويصيب ، فيا غوثاه يا غوثاه ، ولا أمير عليكم دوني ، فالعجل العجل يا معاوية ، وأدرك ثم أدرك ،
وما أراك تدرك .
هامش
( 1 ) ملك عضوض ، لاصق بأصحابه يصعب خلعهم منه ، أو شديد قوي على الناس .
( 2 ) الشارف من الإبل : المسن العجوز .
( 3 ) دحل بضم الدال وسكون الحاء جزيرة بين اليمن وبلاد البحة ، المراد خيروه بين
النفي وبين الاستقالة من الخلافة .
( 4 ) رداء الله هو الخلافة .
( 5 ) أسلم لهم نفسي ليأخذوا القود مني فيقتلوني قصاصا بمن قتل من المسلمين .