ما رأى الناس ، فمنعك عقلك وحلمك من أن تظهر ما أظهروا ، وقد أحببت
أن تعلمني رأيك فيما بيني وبينك فأعتذر ، قال ابن عباس : فقلت يا أمير المؤمنين ، إنك قد
ابتليتني بعد العافية ، وأدخلتني في الضيق بعد السعة ، ووالله إن رأيي لك أن يجل سنك ، ويعرف
قدرك ، وسابقتك ، والله لوددت أنك لم تفعل ما فعلت مما ترك الخليفتان قبلك ، فإن كان شيئا
تركاه لما رأيا أنه ليس لهما علمت أنه ليس لك كما لم يكن لهما ، وإن كان ذلك لهما فتركاه خيفة أن
أن ينال منهما مثل الذي نيل منك تركته لما تركاه له ، ولم يكونا أحق بإكرام أنفسهما منك
بإكرام نفسك ، قال : فما منعك أن تشير علي بهذا قبل أن أفعل ما فعلت ؟ قال : وما علمي أنك تفعل
ذلك قبل أن تفعل ؟ قال : فهب لي صمتا حتى ترى رأيي . قال : فخرج ابن عباس ، فقال عثمان
لمعاوية : ما ترى ، فإن هؤلاء المهاجرين قد استعجلوا القدر ، ولا بد لهم مما في أنفسهم ، فقال
معاوية : الرأي أن تأذن لي فأضرب أعناق هؤلاء القوم . قال : من ؟ قال : علي وطلحة والزبير ،
قال عثمان : سبحان الله ! أقتل أصحاب رسول الله بلا حدث أحدثوه ، ولا ذنب ركبوه ؟ قال معاوية :
فإن لم تقتلهم فإنهم سيقتلونك . قال عثمان : لا أكون أول من خلف رسول الله في أمته بإهراق
الدماء . قال معاوية : فاختر مني إحدى ثلاث خصال ؟ قال عثمان : وما هي ؟ قال معاوية :
أرتب لك ها هنا أربعة آلاف فارس من خيل أهل الشام ، يكونون لك ردءا وبين يديك يدا
قال عثمان : أرزقهم من أين ؟ قال : من بيت المال ، قال عثمان : أرزق أربعة آلاف من الجند
من بيت مال المسلمين لحرز دمي ؟ لا فعلت هذا . قال : فثانية ، قال : وما هي ؟ قال : فرقهم
عنك فلا يجتمع منهم اثنان في مصر واحد ، واضرب عليهم البعوث والندب ، حتى يكون دبر
بعير أحدهم أهم عليه من صلاته ، قال عثمان : سبحان الله ؟ شيوخ المهاجرين وكبار أصحاب رسول
الله ، وبقية الشورى أخرجهم من ديارهم وأفرق بينهم وبين أهلهم وأبنائهم ؟ لا أفعل هذا . قال
معاوية فثالثة ، قال : وما هي ؟ قال : اجعل لي الطلب بدمك إن قتلت ، قال عثمان . نعم هذه
لك إن قتلت فلا يطل دمي .
قال : ثم خرج عثمان فصعد المنبر ، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : أما بعد أيها الناس ، إن نصيحتي
كذبتني ، ونفسي منتني ، وقد سمعت رسول الله يقول : لا تتمادوا في الباطل فإن الباطل يزداد من
الله بعدا ، من أساء فليتب ، ومن أخطأ فليتب ، وأنا أول من اتعظ ، والله لئن ردني الحق عبدا
لأنتسبن نسب العبيد ، ولأكونن كالمرقوق الذي إن ملك صبر ، وإن أعتق شكر ، ثم نزل ،
فدخل على زوجته نائلة بنت الفرافصة ، ودخل معه مروان بن الحكم ، فقال : يا أمير المؤمنين ،
أتكلم أو أسكت ؟ فقالت له نائلة : بل اسكت فوالله لئن تكلمت لتغرنه ولتوبقنه . فالتفت إليها
عثمان مغضبا ، فقال : اسكتي ، تكلم يا مروان ، فقال مروان : يا أمير المؤمنين إنك والله لو قلت
الإمامة والسياسة المعروف بتاريخ الخلفاء — صفحة 34
مساهمون: ابن قتيبة الدينوري
ص٣٤