ذكر القول والمجادلة لعثمان ومعاوية رضي الله عنهما
قال : وذكروا أن ابن عباس قال : خرجت إلى المسجد فإني لجالس فيه مع علي حين
صليت العصر ، إذ جاء رسول عثمان يدعو عليا ، فقال علي نعم ، فلما أن ولى الرسول أقبل
علي فقال : لم تراه دعاني ؟ قلت له : دعاك ليكلمك ، فقال انطلق معي ، فأقبلت فإذا طلحة
والزبير وسعد وأناس من المهاجرين ، فجلسنا فإذا عثمان عليه ثوبان أبيضان ، فسكت القوم ،
ونظر بعضهم إلى بعض ، فحمد الله عثمان ، ثم قال : أما بعد ، فإن ابن عمي معاوية هذا قد كان
غائبا عنكم وعما نلتم مني ، وما عاتبتكم عليه وعاتبتموني ، وقد سألني أن يكلمكم وأن يكلمه من
أراد ، فقال سعد بن أبي وقاص : وما عسى أن يقال لمعاوية أو يقول إلا ما قلت أو قيل لك ؟
فقال على ذلكم تكلم يا معاوية ، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : أما بعد يا معشر المهاجرين وبقية
الشورى فإياكم أعني وإياكم أريد ، فمن أجابني بشئ فمنكم واحد ، فإني لم أرد غيركم ، توفي
رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايع الناس أحد المهاجرين التسعة ، ثم دفنوا نبيهم ، فأصبحوا
سالما أمرهم ، كأن نبيهم بين أظهرهم ، فلما أيس الرجل من نفسه بايع رجلا من بعده أحد
المهاجرين ، فلما احتضر ذلك الرجل شك في واحد أن يختاره ، فجعلها في ستة نفر بقية
المهاجرين ، فأخذوا رجلا منهم لا يألون عن الخير فيه ، فبايعوه وهم ينظرون إلى الذي هو
كائن من بعده ، لا يشكون ولا يمترون ، مهلا مهلا معشر المهاجرين ، فإن وراءكم من إن
دفعتموه اليوم اندفع عنكم ، ومن إن فعلتم الذي أنتم فاعلوه دفعكم بأشد من ركنكم وأعد من
جمعكم ، ثم استن عليكم بسنتكم ، ورأى أن دم الباقي ليس بممتنع بعد دم الماضي ، فسددوا
وارفقوا ، لا يغلبكم على أمركم من حذرتكم ، فقال علي بن أبي طالب : كأنك تريد نفسك
يا بن اللخناء لست هنالك ، فقال معاوية : مهلا عن شتم بنت عمك ، فإنها ليست بشر نسائك .
يا معشر المهاجرين ، وولاة هذا الأمر ، ولاكم الله إياه فأنتم أهله ، وهذان البلدان مكة
والمدينة مأوى الحق ومنتهاه ، إنما ينظر التابعون إلى السابقين ، والبلدان إلى البلدين فإن استقاموا
استقاموا ، وأيم الله الذي لا إله إلا هو لئن صفقت إحدى اليدين على الأخرى لا يقوم
السابقون للتابعين ، ولا البلدان للبلدين ، وليسلبن أمركم ولينقلن الملك من بين أظهركم ، وما
أنتم في الناس إلا كالشامة السوداء في الثور الأبيض فإني رأيتكم نشبتم في الطعن على خليفتكم ،
وبطرتم معيشتكم وسفهتم أحلامكم ، وما كل نصيحة مقبولة ، والصبر على بعض المكروه خير
من تحمله كله .
قال : ثم خرج القوم وأمسك عثمان ابن عباس ، فقال له عثمان : يا بن عمي ويا بن خالتي ،
فإنه لم يبلغني عنك في أمري شئ أحبه ولا أكرهه علي ولا لي ، وقد علمت أنك رأيت بعض