قال عبد الله بن جعفر : جاء كتاب عثمان بن محمد بعد هدأة من الليل ، وقد كنت
انصرفت من عند يزيد ، فلم ألبث أن جاءني رسوله ، فدخلت عليه ، والشمعة بين يديه ، وهو
مغضب قد حسر عن ذراعيه ، والكتاب بين يديه ، فقال : دونك يا أبا جعفر هذا الكتاب ،
فاقرأه ، فرأيت كتابا قبيحا ، فيه تعريض بأهل المدينة وتحريش . ثم قال : والله لأطأنهم
وطأة آتى منها على أنفسهم . قال ابن جعفر : فقلت له إن الله لم يزل يعرف أباك في الرفق
خيرا ، فإن رأيت أن ترفق بهم وتتجاوز عنهم فعلت ، فإنما هم أهلك وعشيرتك ، وإنما تقتل
بهم نفسك إذا قتلتهم . قال : أقتل وأشفى نفسي ، فلم أزل ألح عليه فيهم ، وأرفقه عليهم ، وكان
لي سامعا ومطيعا ، فقال لي : إن ابن الزبير حيث علمت من مكة ، وهو زعم أنه قد نصب
الحرب ، فأنا أبعث إليه الجيوش ، وآمر صاحب أول جيش أبعثه أن يتخذ المدينة طريقا ، وأن
لا يقاتل ، فإن أقروا بالطاعة ، ونزعوا عن غيهم وضلالهم ، فلهم علي عهد الله وميثاقه ،
أن لهم عطاءين في كل عام ، ما لا أفعله بأحد من الناس طول حياتي ، عطاء في الشتاء ،
وعطاء في الصيف ، ولهم علي عهد أن أجعل الحنطة عندهم كسعر الحنطة عندنا ، والحنطة عندهم سبعة
آصع ( 1 ) بدرهم ، والعطاء الذي يذكرون أنه احتبس عنهم في زمان معاوية فهو علي أن أخرجه لهم
وافرا كاملا ، فإن أنابوا وقبلوا ذلك ، جاوز إلى ابن الزبير ، وإن أبوا قاتلهم ، ثم إن
ظفر بها أنهبها ثلاثا ، هذا عهدي إلى صاحب جيشي لمكانك ولطلبتك فيهم ، ولما زعمت أنهم
قومي وعشيرتي . قال عبد الله بن جعفر . فرأيت هذا لهم فرجا ، فرجعت إلى منزلي فكتبت
إليهم من ليلتي كتابا إلى أهل المدينة ، أعلمهم فيه قول يزيد ، وأحضهم على الطاعة والتسليم ،
والرضا والقبول لما بذل لهم ، وأنهاهم أن يتعرضوا لجيوشه ، وقلت لرسولي : اجهد السير ،
فدخلها في عشر ، فوالله ما أرادوا ذلك ولا قبلوه ، وقالوا : والله لا يدخلها عنوة أبدا .
كتاب يزيد إلى أهل المدينة
قال : وكتب يزيد إلى أهل المدينة كتابا ، وأمر عثمان بن محمد يقرؤه عليهم ، فقدم الكتاب
المدينة ، وعثمان خائف ، فقرأه عليهم ، فإذا فيه : بسم الله الرحمن الرحيم : أما بعد ، فإني قد
نفستكم حتى أخلفتكم ، ورفعتكم حتى أخرقتكم ( 2 ) ، ورفعتكم على رأسي ثم وضعتكم ، وأيم
الله لئن آثرت أن أضعكم تحت قدمي لأطأنكم وطأة أقل منها عددكم وأترككم أحاديث
تتناسخ ( 3 ) كأحاديث عاد وثمود ، وأيم الله لا يأتيكم مني أولى من عقوبتي ، فلا أفلح من ندم .
هامش
( 1 ) سبعة آصع : 14 قدحا مصريا ، الآصع جمع صاع وهو قدحان مصريان .
( 2 ) أخرقتكم : وجدتكم خرقى أي حمقى .
( 3 ) تتناسخ : أي تكتب وتنسخ في الكتب .