إرسال يزيد الجيوش إليهم
قال : فلما أجمع رأي يزيد على إرسال الجيوش ، صعد المنبر ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال :
أما بعد يا أهل الشام ، فإن أهل المدينة أخرجوا قومنا منها ، والله لأن تقع الخضراء على الغبراء ( 1 )
أحب إلى من ذلك . وكان معاوية قد أوصى يزيد فقال له : إن رابك منهم ريب ، أو انتقض
عليك منهم أحد ، فعليك بأعور بني مرة مسلم بن عقبة ، فدعا به فقال : سر إلى هذه المدينة بهذه
الجيوش ، وإن شئت أعفيتك ، فإني أراك مدنفا منهوكا . فقال : نشدتك الله ، أن لا تحرمني
أجرا ساقه الله إلي ، أو تبعث غيري ، فإني رأيت في النوم شجرة غرقد ( 2 ) تصيح أغصانها :
يا ثارات عثمان ، فأقبلت إليها ، وجعلت الشجرة تقول : إلي يا مسلم بن عقبة ، فأتيت فأخذتها ،
فعبرت ذلك أن أكون أنا القائم بأمر عثمان ، ووالله ما صنعوا الذي صنعوا إلا أن الله أراد بهم
الهلاك . فقال يزيد : فسر على بركة الله ، فأنت صاحبهم ، فخرج مسلم فعسكر وعرض الأجناد ،
فلم يخرج معه أصغر من ابن عشرين ، ولا أكبر من ابن خمسين على خيل عراب ، وسلاح شاك ،
وأداة كاملة ، ووجه معه عشرة آلاف بعير تحمل الزاد حتى خرج ، فخرج معه يزيد فودعه .
قال له : إن حدث بك حدث فأمر الجيوش إلى حصين بن نمير ، فانهض بسم الله إلى ابن الزبير ،
واتخذ المدينة طريقا إليه ، فإن صدوك أو قاتلوك فاقتل من ظفرت به منهم ، وأنهبها ( 3 ) ثلاثا ،
فقال مسلم بن عقبة : أصلح الله الأمير ، لست بآخذ من كل ما عهدت به إلا بحرفين . قال يزيد :
وما هما ؟ ويحك . قال : أقبل من المقبل الطائع ، وأقتل المدبر العاصي . فقال يزيد : حسبك ،
ولكن البيان لا يضرك ، والتأكيد ينفعك ، فإذا قدمت المدينة فمن عاقك عن دخولها ، أو
نصب لك الحرب ، فالسيف السيف ، أجهز على جريحهم ، وأقبل على مدبرهم ، وإياك أن تبقى
عليهم ، وإن لم يتعرضوا لك ، فامض إلى ابن الزبير .
فمضت الجيوش ، فلما نزلوا بوادي القرى ، لقيتهم بنو أمية خارجين من المدينة ، فرجعوا
معهم ، واستخبرهم مسلم بن عقبة عما خلفهم ، وعما لقوا ، وعن عددهم . فقال مروان : عددهم
كثير ، أكثر مما جئت به من الجيوش ، ولكن عامتهم ليس لهم نيات ولا بصائر ، وفيهم قوم
قليل لهم نية وبصيرة ، ولكن لا بقاء لهم مع السيف ، وليس لهم كراع ولا سلاح ، وقد خندقوا
عليهم وحصنوا . قال مسلم : هذه أشدها علينا ، ولكنا نقطع عنهم مشربهم ، ونردم عليهم
هامش
( 1 ) الخضراء : السماء ، والغبراء : الأرض .
( 2 ) الغرقد : شجر عظيم كبير الحجم ، وسميت مقبرة المدينة بقيع الغرقد لأن هذا الشجر
ينبت فيها .
( 3 ) أنهبها : اجعلها نهبا أي مباحة ثلاثة أيام لعسكرك يفعلون فيها ما يشاءون .