ومحمود العقبى في الآخرة والأولى ، إنه ولي ذلك ، وكل شئ بيده لا شريك له . وإن أهل
المدينة قومنا ورجالنا ، ومن نزل على حسن الرأي فيهم ، والاستعداد بهم ، واتباع أثر
الخليفة فيهم ، والاحتذاء على مثاله لديهم ، من الإقبال عليهم ، والتقبل من محسنهم ، والتجاوز
عن مسيئهم ، فبايع لنا قومنا ، ومن قبلك من رجالنا ، بيعة منشرحة بها صدوركم ، طيبة
عليها أنفسكم ، وليكن أول من يبايعك من قومنا وأهلنا : الحسين ، وعبد الله بن عمر ،
وعبد الله بن عباس ، وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن جعفر ، ويحلفون على ذلك بجميع
الإيمان اللازمة ، ويحلفون بصدقة أموالهم غير عشرها ، وجزية رقيقهم ، وطلاق نسائهم ،
بالثبات على الوفاء بما يعطون من بيعتهم ، ولا قوة إلا بالله ، والسلام .
إباية القوم الممتنعين عن البيعة
قال : وذكروا أن خالد بن الحكم ، لما أتاه الكتاب من يزيد فظع به ، فدعا مروان
ابن الحكم ، وكان على المدينة قبله ، فلما دخل عليه مروان ، وذلك في أول الليل . قال له
خالد : احتسب صاحبك يا مروان ، فقال له مروان : اكتم ما بلغك ، إنا لله وإنا إليه
راجعون . ثم اقرأه الكتاب ، وقال له : ما الرأي ؟ فقال : أرسل الساعة إلى هؤلاء
النفر ، فخذ بيعتهم ، فإنهم إن بايعوا لم يختلف على يزيد أحد من أهل الإسلام ، فعجل
عليهم قبل أن يفشى الخبر فيمتنعوا ، فأرسل إلى الحسين بن علي ، وعبد الله بن الزبير ،
وعبد الله ابن عمر ، فلما أتاهم الرسول قال عبد الله بن الزبير للحسين : ظن يا أبا عبد الله
فيما أرسل إلينا ؟ فقال الحسين : لم يرسل إلينا إلا للبيعة ، فما ترى ؟ قال : آتيه ،
فإن أراد تلك امتنعت عليه ، فدعا الحسين مواليه وأهل بيته ، واقعدهم على الباب ،
وقال لهم : إن ارتفع صوتي فاقتحموا الدار علي ، وإلا فمكانكم حتى أخرج إليكم .
ثم دخل على خالد ، فأقرأه الكتاب ، فقال الحسين : رحم الله معاوية . فقالا له :
بايع ، فقال الحسين : لا خير في بيعة سر ، والظاهرة خير ، فإذا حضر الناس كان
أمرا واحدا ، ثم وثب أهله ، فقال مروان لخالد : أشدد يدك بالرجل ، فلا يخرج
حتى يبايعك ، فإن أبى فاضرب عنقه : فقال له ابن الزبير : قد علمت أنا كنا أبينا
البيعة إذ دعانا إليها معاوية ، وفي نفسه علينا من ذلك ما لا تجهله ، ومتى ما نبايعك ليلا
علي هذه الحال ، تر أنك أغضبتنا على أنفسنا ، دعنا حتى نصبح ، وتدعو الناس إلى البيعة ،
فنأتيك فنبايعك بيعة سليمة صحيحة ، فلم يزالا به حتى خلى عنهما وخرجا . فقال مروان
لخالد : تركتهما ، والله لا تظفر بمثلها منهما أبدا ، فقال خالد : ويحك أتشير علي أن أقتل