الدين وفضيلة في الإسلام ليست لقبيلة من العرب ، إن رسول الله صلى عليه وسلم لبث في
قومه بضع عشرة سنة ، يدعوهم إلى عبادة الرحمن ، وخلع الأوثان ، فما آمن به من قومه
إلا قليل ، والله ما كانوا يقدرون أن يمنعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا يعرفوا دينه ،
ولا يدفعوا عن أنفسهم ، حتى أراد الله تعالى لكم الفضيلة ، وساق إليكم الكرامة ، وخصكم
بالنعمة ، ورزقكم الإيمان به وبرسوله صلى الله عليه وسلم ، والمنع له ولأصحابه والاعزاز
لدينه ، والجهاد لأعدائه ، فكنتم أشد الناس على من تخلف عنه منكم ، وأثقله على عدوكم من
غيركم ، حتى استقاموا لأمر الله تعالى طوعا وكرها ، وأعطى البعيد المقادة ( 1 ) صاغرا داحرا
حتى أثخن الله تعالى لنبيه بكم الأرض ( 2 ) ، ودانت بأسيافكم له العرب ، وتوفاه الله تعالى وهو
راض عنكم قرير العين ، فشدوا أيديكم بهذا الأمر ، فإنكم أحق الناس وأولاهم به .
فأجابوه جميعا : أن قد وفقت في الرأي ، وأصبت في القول ، ولن نعدو ما رأيت
توليتك هذا الأمر ، فأنت مقنع ولصالح المؤمنين رضا . قال فأتى الخبر إلى أبي بكر رضي الله
عنه ، ففزع أشد الفزع ، وقام معه عمر رضي الله عنهما ، فخرجا مسرعين إلى سقيفة بني ساعدة ،
فلقيا أبا عبيدة بن الجراح رضي الله عنه فانطلقوا رضي الله عنهم جميعا ، حتى دخلوا سقيفة بني
ساعدة ، وفيها رجال من الأشراف ، معهم سعد بن عبادة رضي الله عنه ، فأراد عمر رضي الله
عنه أن يبدأ بالكلام ، وقال : خشيت أن يقصر أبو بكر رضي الله عنه عن بعض الكلام . فلما
تيسر عمر للكلام ، تجهز أبو بكر رضي الله عنه وقال له : على رسلك ، فستكفى الكلام ،
فتشهد أبو بكر رضي الله عنه ، وانتصب له الناس ، فقال : إن الله جل ثناؤه بعث محمدا صلى الله
عليه وسلم بالهدى ودين الحق ، فدعا إلى الإسلام ، فأخذ الله تعالى بنواصينا ( 3 ) وقلوبنا إلى ما دعا
إليه ، فكنا معشر المهاجرين أول الناس إسلاما ، والناس لنا فيه تبع ، ونحن عشيرة رسول
الله صلى الله عليه وسلم ، ونحن مع ذلك أوسط العرب أنسابا ، ليست قبيلة من قبائل العرب
إلا ولقريش فيها ولادة . وأنتم أيضا والله الذين آووا ونصروا ، وأنتم وزراؤنا في الدين ،
ووزراء رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأنتم إخواننا في كتاب الله تعالى وشركاؤنا في دين الله
عز وجل وفيما كنا فيه من سراء وضراء ، والله ما كنا في خير قط إلا كنتم معنا فيه ، فأنتم
أحب الناس إلينا ، وأكرمهم علينا ، وأحق الناس بالرضا بقضاء الله تعالى ، والتسليم لأمر الله
هامش
( 1 ) أعطى المقادة : خضع لحكم المسلمين وقيادتهم له .
( 2 ) أثخن بكم الأرض : غلب بكم أهل الأرض .
( 3 ) النواصي جمع ناصية وهي مقدم الرأس والمراد جذب الله عقولنا وقلوبنا إلى ما دعا إليه .