قدوم الفتوحات على الوليد بن عبد الملك
قال : وذكروا أن خادما للوليد بن عبد الملك بن مروان أخبرهم قال : إني
لقريب من الوليد بن عبد الملك ، وبين يديه طشت من ذهب ، وهو يتوضأ منه ،
إذ أتى رسول من قبل قتيبة بن مسلم من خراسان بفتح من فتوحاتها ، فأعلمته
قال : خذ الكتاب منه ، فأخذه فقرأه ، فما أتى على آخره ، حتى أتى رسول آخر
من قبل موسى بن نصير ( 1 ) ، بفتح السوس من قبل مروان بن موسى ، فأعلمته .
قال : هاته ، فقرأه ، فحمد الله ، وخر ساجدا لله حامدا ، ثم التفت إلي قال :
أمسك الباب لا يدخل أحد . قال : وكان عنده ابن له يحبو بين يديه ، فلما خر
الوليد ساجدا لله شاكرا ، جاء الصبي إلى الطشت فاضطرب فيه وصاح ، فما
التفت إليه ، قال : وصرت لا أستطيع أن أغيثه لما أمرني به من إمساك الباب ،
هامش
( 1 ) كان الوليد ، بعد وفاة عبد الملك قد كتب بولاية موسى بن نصير إفريقيا والمغرب ، وقطعها عن
عمه عبد الله بن مروان ( على قول من قال بولاية عبد الله بن مروان على مصر : البيان المغرب
1 / 41 وقد ذكرنا أنه بعد وفاة عبد العزيز بن مروان ولى عبد الملك ابنه عبد الله بن عبد الملك ) .
وكان موسى بن نصير وبعد وفاة عبد العزيز بن مروان ، قد بدأ بمراسلة عبد الملك مباشرة دون
الرجوع إلى والي مصر - عبد الله ابنه مما أسخطه عليه فكتب له :
أما بعد : فإنك كنت من عبد العزيز وبشر بين مهادين ، تعلو عن الحضيض مهودهما ، ويدفئك
دثارهما حتى عفا مخبرك وسمت بك نفسي فلا تحسبني كمن كنت تخلبه وأعداء بيته ،
ونقول : أكفياني أكفكما ، ولا كأصبغ كنت تمنيه بكهانتك ، وأيم الله لأضعن منك ما رفعا ،
ولأقلن منك ما كثرا . فضح رويدا ، فكأن قد أصبحت سادما ، تعض أناملك نادما . والسلام .
فكتب إليه موسى بن نصير :
أما بعد . لقد قرأت كتابك ، وفهمت ما وصفت فيه من إركاني إلى أبويك وعمك ولعمري إن
كنت لذلك أهلا ، ولو خبرت مني ما خبرا ، لما صغرت مني ما عظما ، ولا جهلت من أمرنا ما
علما ، فكيف أتاه الله لك ؟ وأما انتقاصك لهما ، فهما لك وأنت منهما ، ولهما منك ناصر لو
قال وجد عليك مقالا ، وكفاك جزاء العاق . فأما ما نلت من عرضي ، فذلك موهوب لحق أمير
المؤمنين لا لك . وأما تهددك إياي بأنك واضع مني ما رفعا ، فليس ذلك بيدي ولا إليك ،
فارعد وابرق لغيري وأما ما ذكرت مما كنت آتي به عمك عبد العزيز ، فلعمري إني مما
نسبتني إليه من الكهانة لبعيد ، وإني من غيرها من العلم لقريب . فعلى رسلك ، فكأنك قد
أظلك البدر الطالع ، والسيف القاطع والشهاب الساطع ، فقد تم لها ، وتمت له ، ثم بعث
إليك الأعرابي الجلف الجافي ، فلم تشعر به حتى يحل بعقوتك فيسلبك سلطانك ، فلا
يعود إليك ولا تعود إليه ، فيومئذ تعلم أكاهن أم عالم وتوقن أينا النادم ، والسلام .
قرأ عبد الله الكتاب ثم أرسله إلى عبد الملك ، فوصل وعبد الملك قد قبض ( ولاة مصر للكندي
ص 81 - 82 ) .