لديه ، فكان عبد الملك بن مروان كثيرا ما يقول إذا جاءه فتوح موسى : لتهنئك
الغلبة أبا الإصبع . ثم يقول : عسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا .
قال : وبعث موسى إلى عياض وعثمان وإلى عبيدة ( 1 ) بني عقبة ، فقال : اشتفوا ،
وضعوا أسيافكم في قتلة أبيكم عقبة . قال : فقتل منهم عياض ست مئة رجل
صبرا من خيارهم وكبارهم ، فأرسل إليه موسى أن أمسك . فقال : أما والله لو
تركني ما أمسكت عنهم ، ومنهم عين تطرف .
قدوم الفتح على عبد الملك بن مروان
قال : وذكروا أن موسى لما قدم ، وجه بذلك الفتح إلى عبد العزيز بن
مروان ، مع علي بن رباح ، فسار حتى قدم على عبد العزيز بمصر ، فأجازه
ووصله ، ووجهه إلى عبد الملك بن مروان أخيه ، فلما قدم عليه أجازه أيضا ، وزاد
في عطائه عشرين . فلما انصرف ، قال له عبد العزيز : كم زادك أمير المؤمنين ؟
قال : عشرين . قال : لولا كره أن أفعل مثل ما فعل لزدتك مثلها ، ولكن تعدلها
زيادة عشرة . وكتب عبد الملك إلى موسى يعلمه أنه قد فرض لجميع ولده فئ
مئة ( 2 ) . وبلغ به هو إلى المئتين ، وفرض في مواليه ، وأهل الجزاء والبلاء ممن
معه خمس مئة رجلا ثلاثين ثلاثين ، وكتب إليه إن أمير المؤمنين قد أمر لك بمئة
ألف التي أغرمها لك ( 3 ) ، فخذها من قبلك من الأخماس . قال : فلما قدم على
موسى كتاب عبد الملك بن مروان ، يأمره بأخذ المئة الألف مما قبله . قال : فإني
أشهدكم أنه رد على المسلمين ، ومعونة لهم ، وفي الرقاب ( 4 ) . وكان موسى إذا أفاء
الله عليه شيئا ، اشترى من ظن منهم أنه يقبل الإسلام وينجب فيعرض عليه
الإسلام ، فإن رضي قبله من بعد أن يمحص عقله ، ويجرب فطنة فهمه ، فإن
وجده ماهرا أمضى عتقه وتولاه ، وإن لم يجد فيه مهارة رده في الخمس
هامش
( 1 ) في البيان المغرب 1 / 41 " أبا عبدة " .
( 2 ) الفئ : قال المبرد : يقال فاء يفئ إذا رجع . وأفاء الله : إذا رده . قال الأزهري : الفئ ما رده
الله على أهل دينه من أموال من خالف أهل دينه بلا قتال . والغنيمة هي ما يحصل بعد تعب
النفس في تحصيلها بخلاف الفئ الذي لا يتحمل في تحصيله تعبا . ( التفسير الكبير للرازي
تفسير سورة الحشر ) .
( 3 ) تقدم أن عبد الملك كان قد أغرم موسى بن نصير ، بعد فراره بخراج العراق ، بمئة ألف .
( 4 ) أي في عتق الرقاب ، يريد إعطاء العبيد المملوكين لكي يعطوا أصحابكم لكي يعتقوهم .