قال الأعرابي : فأعطه يا أمير المؤمنين تسعين ألف دينار ، واحطط عنك عشرة
آلاف دينار . فقال الرشيد : والله لقد سألت كثيرا ، وحططت قليلا . قال
الأعرابي : إنما سألتك يا أمير المؤمنين على قدرك ، وحططت على قدري ، فاختر
ما شئت . فقال الرشيد : يا أعرابي إنما تريد مغالبتي ، لا غلبتني اليوم ، فأمر له
بمئة ألف دينار ذهبا . فقال له أمير المؤمنين : أرضيت يا أعرابي ؟ فقال : ما بقي
لي شئ يا أمير المؤمنين إلا الحملان والكسوة ، وطرائف الكوفة ، وتحف
البصرة ، وجوائز الضيافة وحقها . فقال الرشيد : وما يصلح لك من الحملان يا
أعرابي ؟ فقال : أقصد ما يكون دابة للجمال ، وأخرى للحملان وثلاثة
للاسترحال ، ولابني مثل ذلك ، ومن الكسوة ما لا بد منه من ثياب المهنة
والاستشعار ، وما لا غنى عنه من الوطاء والدثار ، مع رائع الثياب التي تكون
للجمال والجماعات والأعياد ، ولابني وبني ابني مثل ذلك . فدعا الرشيد
بجعفر بن يحيى وقال : أرحني من هذا ، وأمر له بما سأل من الحملان ، وما أراد
به من ثياب المهنة والجمال ، وأغدق عليه من التحف والطرائف ما ترضيه به ،
وأخرجه عني ، فخرج جعفر فأمر له بما سأل وأعطاه ما أراد . ثم انصرف
الأعرابي راجعا إلى الحجاز بأموال عظيمة ، لا يوصف أكثرها ، ولا يعرف أقلها ،
وكل هذا يقل عندما عرف من جود الرشيد وسخائه ، وجزيل عطائه .
قتل جعفر بن يحيى بن برمك
قال عمرو بن بحر الجاحظ : حدثني سهل بن هارون ، قال ( 1 ) : والله إن كان
سجاعو الخطب ، ومحبرو القريض لعيالا على يحيى بن خالد بن برمك
وجعفر بن يحيى ، ولو كان كلام يتصور درا ، ويحيله المنطق السري جوهرا ،
لكان كلامهما ، والمنتقى من لفظهما ، ولقد كانا مع هذا عند كلام الرشيد ، في
بديهته ، وتوقيعاته في أسافل كتبه ، عيين ، وجاهلين أميين ، ولقد عبرت ( 2 ) معهم ،
وأدركت طبقة المتكلمين في أيامهم ، وهم يرون أن البلاغة لم تستكمل إلا
فيهم ، ولم تكن مقصورة إلا عليهم ، ولا انقادت إلا لهم ، وأنهم محض الأنام ،
هامش
( 1 ) في العقد الفريد 5 / 58 والله إن كانوا سجعوا للخطب ، وقرضوا القريض لعيال .
( 2 ) في العقد : عمرت .