بينهم ، وتولي القضاة في البلدان والأمصار من تحت يدك ، وتوليتهم إليك ،
وعزلهم عليك . فقال القاضي : إن يجبرني أمير المؤمنين على ذلك فسمعا
وطاعة ، وإن يخيرني في نفسي اخترت العافية ، وجوار هذا البيت الحرام . فقال
الرشيد : ما ينبغي لي أن أدع المسلمين وفيهم مثلك ، لا أوليه عليهم ، فخذ على
نفسك فإني مصبح على ظهر إن شاء الله . فخرج الرشيد ومعه الفتى حتى قدم
العراق ، فولاه القضاء ، وجعل إليه قضاء القضاة ، فلم يزل بها قاضيا حتى توفي ،
وذلك بعد ثلاثة أعوام من توليته . فلما توفي اغتم الرشيد وشق عليه ، فجعل
الناس يعزونه فيه علما منهم بما بلغ منه الغم عليه . فسأل عن قاض يوليه قاضي
القضاة في العراق بعد ذلك ، فرفعت إليه تسمية عشرة رجال من خيار الناس
وعلمائهم وأشرافهم ، فلما رفعت إليه التسمية ، أمر بهم فأدخلوا عليه رجلا
رجلا ، ليتفرس فيهم من يوليه القضاء ، فنظر إلى رجل منهم توسم فيه الخير
والعلم فأمر به فقدم إليه . فلما صار بين يديه ، قال له : ما اسمك ؟ قال :
معشوق . قال : فما كنيتك ؟ قال : أبو الهوى . قال : فما نقش خاتمك ؟ قال : دام
الحب دام ، وعلى الله التمام . فقال له : قم لا قمت . ثم دعا بالآخر ، وكان قد
تفرس فيه ما تفرس في صاحبه فقال له : ما نقش خاتمك ؟ فقال : " ما لي لا أرى
الهدهد أم كان من الغائبين " فقال له أخرج . فدعا الرشيد بيحيى بن خالد بن
برمك ، وكان ممن رفع إليه أسماءهم ، فعنفه بهم ، وقال : رفعت إلي أسماء
المجانين . قال له : والله ما في العراقيين أعقل من الرجلين اللذين سألت ، ولا
أفضل منهما . فقال : ويحك إني اختبرت منهما جنونا . قال يحيى : إنهما والله
كانا كارهين لما دعوتهما إليه وإنما أرادا التخلص منك . قال : ويحك ، أعدهما
علي ، فطلبا فلم يوجدا .
ذكر الأعرابي مع هارون الرشيد
قال : وذكروا أن أعرابيا قدم على هارون الرشيد مستجديا ، فأراد الدخول
عليه ، فلم يمكنه ذلك ، فلما رأى أنه لم يؤذن له ، أتى عبد الله بن الفضل
الحاجب ، فقال له : توصل كتابي هذا إلى أمير المؤمنين ، وكان الرشيد قد عهد
إلى حاجبه أن لا يحبس عنه كتاب أحد قرب أو بعد ، فأعطاه الأعرابي كتابا فيه
أربعة أسطر . السطر الأول فيه : الضرورة والأمل قاداني إليك . والثاني العدم