مسير الرشيد إلى الفضيل ( 1 ) بن عياض
قال : وذكروا أن الرشيد كان كثيرا ما يتلثم ، فيحضر مجالس العلماء
بالعراق وهو لا يعرف . وكان قد قسم الأيام والليالي على سبع ليالي : فليلة
للوزراء ، يذاكرهم أمور الناس ويشاورهم في المهم منها ، وليلة للكتاب يحمل
عليهم الدواوين ، ويحاسبهم عما لزم من أموال المسلمين ، ويرتب لهم ما ظهر
من صلاح أمور المسلمين ، وليلة للقواد ، وأمراء الأجناد يذاكرهم أمر الأمصار
ويسألهم عن الأخبار ، ويوقفهم على ما تبين له من صلاح الكور وسد الثغور ،
وليلة للعلماء والفقهاء يذاكرهم العلم ويدارسهم الفقه ، وكان من أعلمهم ، وليلة
للقراء والعباد يتصفح وجوههم ، ويتعظ برؤيتهم ، ويستمع لمواعظهم ، ويرقق
قلبه بكلامهم ، وليلة لنسائه وأهله ولذاته ، يتلذذ بدنياه ، ويأنس بنسائه ، وليلة
يخلو فيها بنفسه ، لا يعلم أحد قرب أو بعد ما يصنع ، ولا يشك أحدا أنه يخلو
فيها بربه ، يسأله خلاص نفسه ، وفكاك رقه . فبينما هو يوما في مجلس محمد بن
السماك ، وقد قصد لرؤيته يسمع لموعظته ، ولا يعلم أحد بمكانه ، فسمع بعض
أهل المجلس يذكر الفضيل بن عياض ، ويصف فضله وعبادته ، وعلمه وروعه ،
فاشتهى النظر إليه ، وتاقت نفسه إلى رؤيته ومحادثته ، فتوجه من العراق إلى
الحجاز قاصدا إليه ، ومعه عبد الله بن المبارك فقيه أهل بغداد وعالمهم ، وكان
الفضل بن عياض يسكن الغيران . فلما قربا من موضعه قال عبد الله بن المبارك :
يا أمير المؤمنين إن الفضيل إن عرفك وعرف مكانك لم يأذن لك عليه ، ويسفر
عنك . فقال هارون : تستأذن أنت عليه ، وتخفي مكاني عنه ، حتى يأذن بالدخول
فاستأذن عليه ابن المبارك . قال الفضيل : من بالباب ؟ قال : ابن المبارك . قال :
مرحبا يا أخي وصاحبي ، فقال ابن المبارك : ومن معي يدخل ؟ فقال الفضيل :
ومن معك ؟ قال : رجل من قريش . فقال الفضيل : لا إذن ، لا حاجة لي برؤية
أحد من قريش . فقال له ابن المبارك : إنه من العلم والعناية والفقه فيه بمكان ،
فقال له الفضيل : أو ما علمت أن إبليس أفقه الناس ؟ فقال له ابن المبارك : إنه
سيد قريش في زمانه هذا وفوقهم ، وإنما عنى أنه فوقهم في الدنيا وسيدهم ، فقال
له الفضيل : فإن كان كما تقول فليدخل ، فدخل الرشيد فسلم عليه ، ثم جلس
هامش
( 1 ) في النسخ المطبوعة : " الفضل " تحريف . وقد جرى تصحيحه في كل مواضع الخبر .