المؤمنين إن هؤلاء ، يعني مالكا وأصحابه ، يقضون بغير ما في كتاب الله ، يقول
الله عز وجل : ( وأشهدوا ذوي عدل منكم ) [ الطلاق : 2 ] وقال : ( واستشهدوا
شهيدين من رجالكم ) [ البقرة : 282 ] وهؤلاء يقضون باليمين مع الشاهد ، ولا
نسمع أن الله تعالى ذكر إلا شاهدين وأربعة شهداء ، ولم يصح عن النبي صلى
الله عليه وسلم أنه قضى به ، وإنما يدور هذا الحديث الذي روى فيه سهيل
عن أبي صالح عن أبيه ، ثم نسبه سهيل ، فكان يحدث ويقول : حدثني ربيعة
عن أبي هريرة : " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى باليمين مع
الشاهد " فلما نسبه سهيل بطل الخبر ، وأثبت أصله ، فلا معنى لذكره . قال
المغيرة : قضى به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقضى به علي
بالكوفة ، فقال أبو يوسف : أنا أكلمك بالقرآن ، وأنت تكلمني بأفعال الناس ،
أتراك تعرفني بهذا ، وبما قضى به علي وغيره ؟ فقال المغيرة : فأنت كافر بنبي
قضى باليمين مع الشاهد ، أو مؤمن به ؟ فسكت أبو يوسف فحجه المغيرة . فسر
بذلك الرشيد ، وأمر للمغيرة بألف دينار . ثم أرسل الرشيد إلى مالك فقال : ما
تقول في هذا المنبر ، فإني أريد أن أنزع ما زاد فيه معاوية بن أبي سفيان وأرده
إلى الثلاث درجات ، التي كانت بعهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟
فقال له مالك : لا تفعل يا أمير المؤمنين ، فإنما هو من عود ضعيف قد تخرمته
المسامير ، فإن نقضته تفكك ، وذهب أكثره ، ومع هذا إنه يا أمير المؤمنين لو
أعدته إلى ثلاث درجات لم آمن عليه أن ينتقل عن المدينة ، يأتي بعدك أحد
فيقول أو يقال له : ينبغي لمنبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكون
معك حيث كنت ، فإنما المنبر للخليفة ، فينتقل كما انتقل من المدينة كل ما كان
بها من آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وما أعلم أنه ترك له عليه
الصلاة والسلام بها نعل ولا شعر ولا فراش ولا عصا ولا قدح ولا شئ مما كان
له هاهنا من آثاره إلا وقد انتقل . فأطاعه الرشيد ، وانتهى عن ذلك برأي مالك بن
أنس وكان ذلك رحمة من الله لأهل المدينة ، وتثبيتا لمنبر رسول الله صلى الله
عليه وسلم بين أظهرهم .
الإمامة والسياسة المعروف بتاريخ الخلفاء — صفحة 209
مساهمون: ابن قتيبة الدينوري
ص٢٠٩