لقيت بشكله ، فمنهم المصالح ، ومنهم المحارب المقهور ، والعزيز البذوخ ( 1 ) .
قال : فأخبرني كيف كانت الحرب بينك وبينهم ، أكانت عقبا ؟ ( 2 ) قال : لا يا أمير
المؤمنين ، ما هزمت لي راية قط ، ولا فض لي جمع ، ولا نكب المسلمون معي
نكبة ، منذ اقتحمت الأربعين ، إلى أن شارفت الثمانين . قال : فضحك سليمان
وقال : فأين الراية التي حملتها يوم مرج راهط ( 3 ) مع الضحاك ؟ قال : تلك يا أمير
المؤمنين زبيرية ، وإنما عنيت المروانية . فقال : صدقت ، وأعجبه قوله .
وذكروا أن محمد بن عبد الملك حدثهم عن ريان بن عبد العزيز بن مروان
قال : إنا الجلوس عند سليمان وهو على سطح فسيح ، والناس يدخلون حتى
دخل موسى من الباب ، فتحرك بنا سقف السطح من شدة وطئه ، فسلم ثم
جلس ، فذكر سليمان بيت الذهب الذي فتحه قتيبة بن مسلم ، فجعل يردد فيه .
فقال له موسى : وما هذا يا أمير المؤمنين ؟ بيت لا يكون فيه عشرة آلاف دينار ،
والله لقد بعثت إلى أخيك الوليد بثور من زمرد أخضر ، يصب فيه اللبن فيخضر
وإنه لمن أدنى ما بعثت به إليه . ولقد أصبت كذا وكذا ، وأصاب المسلمون كذا
وكذا ، وجعل يحدث سليمان بالعجائب . قال ريان : حتى والله أبهته . ولم يزل
موسى بباب سليمان عظيم المنزلة عنده ( 4 ) . فلما كانت سنة ثمان ( 5 ) وتسعين تجهز
سليمان للحج ، وأمر موسى بالشخوص والحج معه ، فذكر له أنه ضعيف ، فأمر
له سليمان بثلاثين نجيبا موقورة جهازا ، وبحجرة من حجره وجائزة ، فحج
سليمان ، وحج معه موسى ، فبينما هو يسير يوما إذ دعا بموسى ، فناداه خالد
ابن الريان ، وكان موسى يساير رجلا ، فلم يلتفت موسى إلى ندائه ، ثم دعا به ، فناداه خالد
أيضا ، فلم يلتفت إليه . فقال له الرجل : غفر الله لك ، ألم تسمع دعاء أمير
هامش
( 1 ) البذوخ : المتكبر .
( 2 ) يريد هل كانت معاقبة ، أي تنتصر مرة وتهزم أخرى ثم تنتصر .
( 3 ) معركة مرج راهط جرت بين الجناح الأموي اليمني المتمثل بمروان بن الحكم ، والجناح
الأموي القيسي المتحالف مع ابن الزبير ، وحمل لواؤه الضحاك بن قيس ، وقد تقدمت
الإشارة إلى أن موسى بن نصير كان يحارب تحت راية الضحاك . وبعد المعركة وهزيمة
الضحاك التجأ إلى عبد العزيز بن مروان .
( 4 ) ما نكب به موسى بن نصير ، من تغريمه أموالا عظيمة ، وقتل ابنيه واستئصال أموالهم وبنيهم
لا يشير إلى عظيم منزلة .
( 5 ) في ابن الأثير سنة 97 ، وذكر أنه حج بالناس سنة 98 عبد العزيز بن عبد الله بن خالد بن أسيد ،
وهو أمير مكة . ( أنظر الطبري حوادث سنة 97 و 98 ومروج الذهب 4 / 450 والحلة السيراء
2 / 334 ) .