فلما سلم قال : يا أمير المؤمنين رأيتك لما نظرتني داخلا تكلمت بكلام ظننتك
عنيتني به . قال : نعم . قلت : ذهب سلطان الشيخ . قال له موسى : أما والله لئن
ذهب سلطان الشيخ لقد أثر الله به في دينه أثرا حسنا ، ولقد كنت طويل الجهاد
في الله حريصا على إظهار دين الله ، حتى أظهره الله ، وكنت ممن أتم الله به
موعده لنبيه ، ولئن أدبر معك ، لقد كان مع آبائك ناضر الغصن ، ميمون
الطائر ( 1 ) ، فقال سليمان : هو ذاك . فقال موسى : وهو ذاك ، فلم يزل يرددها
سليمان ، ويرددها موسى حتى سكت سليمان .
سؤال سليمان بن عبد الملك موسى عن أخباره وأفعاله
قال : وذكروا أن سليمان قال لموسى : ما الذي كنت تفزع إليه في مكان
حربك من أمور عدوك ؟ قال : التوكل ، والدعاء إلى الله يا أمير المؤمنين . قال له
سليمان : هل كنت تمتنع في الحصون والخنادق ، أو كنت تخندق حولك ؟ قال :
كل هذا لم أفعله . قال : فما كنت تفعل ؟ قال : كنت أنزل السهل ، وأستشعر
الخوف والصبر ، وأتحصن بالسيف والمغفر ، وأستعين بالله ، وأرغب إليه في
النصر . قال له سليمان : فمن كان من العرب فرسانك ؟ قال حمير . قال : فأي
الخيل رأيت في تلك البلاد أصبر ؟ قال : شقرها . قال : فأي الأمم كانوا أشد قتالا ؟
قال : إنهم يا أمير المؤمنين أكثر مما أصفهم . قال له : أخبرني عن الروم . قال :
أسود في حصونهم ، عقبان على خيولهم ( 2 ) ، نساء في مواكبهم ( 3 ) ، إن رأوا فرصة
افترصوها ، وإن خافوا غلبة فأوعال ( 4 ) ، ترقل في أجبال ، لا يرون عارا في هزيمة
تكون لهم منجاة . قال : فأخبروني عن البربر . قال : هم يا أمير المؤمنين أشبه
العجم بالعرب ، لقاء ونجدة ، وصبرا وفروسية ، وسماحة وبادية ، غير أنهم يا أمير
المؤمنين غدر . قال : فأخبرني عن الأشبان ، قال : ملوك مترفون ، وفرسان لا
يجبنون . قال : فأخبرني عن الإفرنج . قال : هناك يا أمير المؤمنين العدد والعدة ،
والجلد والشدة وبين ذلك أمم كثيرة ، ومنهم العزيز ، ومنهم الذليل ، وكلا قد
هامش
( 1 ) يشير موسى إلى حسن علاقاته بعبد العزيز وعبد الملك والوليد ابنه ، واحترامهم له وتقديمهم
إياه .
( 2 ) أي سريعو الجريان على خيولهم ، شبههم بالعقاب لسرعة طيرانه .
( 3 ) يعني يتجملون في مواكبهم كالنساء .
( 4 ) الأوعال جمع وعل . وترقل : تسرع .