فتبين بهذا أن من كان عنده حديث منهم فتارة كان يرويه وتارة كان
يفتى به من غير أن يروى ، فكل ذلك جائز .
والمرابطة المذكورة في الحديث عبارة عن المقام في ثغر العدو لاعزاز ( 1 )
الدين ، ودفع شر المشركين عن المسلمين ( 14 آ ) .
وأصل الكلمة من ربط الخيل . قال الله تعالى { ومن رباط الخيل } ( 2 )
فالمسلم يربط خيله حيث يسكن من الثغر ليرهب العدو به ، وكذلك يفعل ( 3 )
عدوه . ولهذا سمى مرابطة ، لان ما كان على ميزان المفاعلة يجرى بين اثنين
غالبا ، ومنه سمى الرباط رباطا للموضع المبنى في المفازة ( 4 ) ليسكنه الناس
ليأمن المارة بهم من شر اللصوص . وجعل رباط يوم في هذا الحديث كصيام
شهر وقيامه .
3 - وقد روى بعد هذا أكثر من هذا القدر فإنه روى :
عن مكحول أن رجلا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم
فقال : إني وجدت غارا في الجبل فأعجبني أن أتعبد فيه وأصلي حتى
يأتني قدري . فقال عليه السلام : لمقام أحدكم في سبيل الله خير من
صلاته ستين سنة في أهله .
وهذا التفاوت إما بحسب التفاوت في الامن والخوف من العدو ، فكلما
كان الخوف أكثر كان الثواب في المقام أكثر .
أو بحسب تفاوت منفعة المسلم ( 5 ) بمقامه ، فان أصل هذا الثواب لاعزاز الدين
وتحصيل المنفعة للمسلمين بعمله . قال عليه السلام : " خير الناس من ينفع الناس " .
هامش
( 1 ) ه " بلا اعزاز " .
( 2 ) سورة الأنفال ، 8 ، الآية 60 .
( 3 ) ه ، ط " يفعله " .
( 4 ) ه ، ط " المفاوز " .
( 5 ) ط " المسلمين " .