فمن ذلك ما رواه ابن أبي جمهور « عن الإمام الحسن العسكري ( عليه السلام )
قال : حدّثني أبي ، عن آبائه ، عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قال : أشدّ مِن يُتْمِ اليتيم
الذي انقطع من أبيه يُتْمُ يتيم انقطع عن إمامه ، ولا يقدر على الوصول إليه ،
ولا يدري كيف حكمه فيما يبتلي من شرايع دينه ; ألا فمَن كان من شيعتنا
عالماً بعلومنا وهدى الجاهل بشريعتنا كان معنا في الرفيق الأعلى » .
فهرعت طائفة لإجابة هذه الدعوة وتلبية هذه الندبة ، فشمّرت عن
ساعد الجدّ ، متحملةً مكاره الدهر وشظف العيش ومرارة الفقر ، صابرةً على
جور الزمان وظلم سلاطينه وبطش حكّامه ، مروّضةً نفسها على ترك ملاذ
الدنيا وزينتها ، حريصة على العمر أن يصرف إلاّ في ترويج المذهب ،
فرِحةً بما أُعدّ لها في الرفيق الأعلى .
فكانت حاملة الأمانة ، وحلقة الوصل بين الأئمة الأطهار وشيعتهم ،
وحرف الربط بين الهداة وأتباعهم . فما أسعد هذه الطائفة وما أعظم
أجرها ؟ !
وقد تمخضّت جهودها الجبارة عن ثروة عظيمة من التراث يعتز بها
المذهب الإمامي ويفخر ، مبرهناً أصالته واستقلاله ، مسجّلاً عراقته وقدمه
وجاءَت حاوية لمختلف علوم الدين ، شاملة لكل جوانب الشريعة ، من
كلام وتفسير وحديث وفقه وأُصول وغير ذلك .
ومن تلك الذخائر والنفائس الكتاب الماثل بين يديك ، ولي معه قصّة
طويلة ، فلقد عشقته منذ رأيته ، وأنست به منذ وقفت عليه ، وهبته منذ
دققت فيه . وخير ما يوجز حكايتي معه قول قيس بن الملوّح :
وعُلّقتُ ليلى وهي ذات موصَّد * ولم يبد للأتراب من ثديها حجم
صغيرين نرعى البهم يا ليت أنّنا * إلى الآن لم نكبر ولم تكبر البهم
فإلى الحديث عن مؤلّفه وعنه .
شرح القواعد ( كتاب المتاجر ) — صفحة 8
مساهمون: الشيخ جعفر بن الشيخ خضر الجناجي
ص٨