اللواحق وقد مرَّ شرحه بقدر الواسع ( 1 )
ما ذكر الله تعالى بقوله : إلاّ وأن الزهد في آية من كتاب الله عزَّ وجلَّ ( لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا
تفرحوا بما آتيكم » فيه تنفير عن تمنى الدُّنيا والرضا بحصولها وعن الهم بفواتها ودلالة على أن
الزهد ليس فقد هابل عدم تعلق القلب بها بحيث لا يفرح بحصولها ، ولا يحزن بفواتها ، وبعبارة
أخرى يتركها ويغتم بوجودها لعلمه بأنّها من أعظم أسباب الغفلة ، ونقل السيد رضى الدين عن أمير
المؤمنين ( عليه السلام ) أنّه قال « الزهد بين كلمتين قال الله تعالى « لكيلا تأسوا ( أي تحزنوا ) على ما فاتكم ( من
عروض الدُّنيا ) ولا تفرحوا بما آتيكم » ومن لم يأس على الماضي ولم يفرح بما أتي فقد أخذ الزهد
بطرفيه ، وقيل الزهد تحويل القلب من الأسباب إلى رب الأسباب ومن إتصف بهذين الوصفين فقد
حول قلبه إذ الميلان فرع الفرح والمحبة . ومن كلامه ( عليه السلام )
لئن ساءني دهر غرمت بصيرة * فكلّ بلاء لا يدوم يسير
وإن سرني لم أبتهج بسروره * فكلّ سرور لا يدوم حقير
ومن رأى بعين اليقين هذا المعنى فقد جذب إليه أهدا به وقد عرفت أن للزهد شعباً كثيرة
فمراده ( عليه السلام ) أن هذين الوصفين يصيران المتصف بها متصفاً بأوصاف آخر .
* الأصل
5 - وبهذا الإسناد ، عن المنقري ، عن سفيان بن عيينة قال : سمعت أبا عبد الله ( عليه السلام ) وهو يقول : كلُّ قلب
فيه شكٌّ أو شرك فهو ساقطٌ ، وإنّما أرادوا بالزُّهد في الدُّنيا لتفرق قلوبهم للآخرة .
* الشرح
قوله : ( كلّ قلب فيه شك أو شرك فهو ساقط ) كان المراد أن كل قلب متعلق بالدنيا وإن فاتته فيه
شك في أمر الآخرة إذا ليقين يقتضى رفض الدنيا ، أو شرك بالله لمتابعة الهوى ، والترديد على سبيل
منع الخلو فهو ساقط عن درجة المحبة والسعادة والزهد وبين ذلك بقوله ( وإنَّما أرادوا بالزهد في
الدنيا لتفرغ قلوبهم للآخرة ) يعني أن الغرض من الزهد في الدنيا ورفضها تخليص القلب وتطهيره
عن حب الدُّنيا وعن ميله إليها وجعله متوجهاً إلى أمر الآخرة وما ينفع فيها خالصاً له بدوام الذكر
هامش
1 - قوله « وقد مر شرحه بقدر الواسع » في الصفحة 195 من هذا المجلد وهو من نفائس هذا الكتاب . قوله « أو
شرك فهو ساقط » والمراد بالشرك الرياء ، وسفيان بن عيينة من أئمة أهل السنة والجماعة وكان فيهم من يتظاهر
بالزهد للتقرب إلى الخلفاء والوجاهة عند العامة ، ونبه الإمام ( عليه السلام ) سفيان على ما عند ذويه ليعلمهم ويبصرهم
عيوبهم ، ومراد الشارع من الأمر بالزهد فراغ القلب عن الدُّنيا ، وطلب الوجاهة والتقرب إلى السلاطين لا يدع في
القلب فراغاً حتى يفكر في أمور الآخرة . وأمّا الشك في الآخرة فأمره أعظم من ذلك . ( ش )