والمقرون بالله واليوم الآخر والسعداء الواصلون إلى الله بمجاهدات نفسانية وقوة روحانية . ومن
أريد كرامته في الدنيا بالهدايات وفي الآخرة برفع الدرجات فوجب لهم ما قال كما قال للذي
بشماله منك الجبارون الذين يكسرون قلوب الخلايق وظهورهم واعناقهم بالجور والغلبة ،
والمشركون بالله والكافرون الجاحدون له أو لشيء من أحكامه وأموره الضرورية والطواغيت
المجاوزون عن الحد والمقدار في العصيان ، السابقون في طرق الشيطنة والضلالة والطغيان ومن
أريد هو انه وشقوته في الدنيا بسلب التوفيق وإلاّ ذلال ، وفي الآخرة بالاخذ والنكال فوجب لهم
ما قال كما قال من الامر المذكور أو من قوله عز شأنه ( فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير
وشهيق ) .
قوله : ( ثم إن الطينتين خلطتا جميعاً وذلك ) دل على أن الفلق والذر وقعاً أولا والتخليط وقع
بعدهما وذلك إشارة إليهما بالاعتبار المذكور : والآية الأولى استشهاد للأول . والثانية للثاني .
قوله : ( فالحب طينة المؤمنين ) كأنه بطن الآية فظهرها حب الزرع ونواة التمر وكلاهما على كمال
قدرة الصانع .
قوله : ( من أجل أنه نأى عن كل خير وتباعد عنه ) العطف للتفسير وكان عين نأى كانت واواً
ويؤيده أن صاحب مصباح اللغة ذكره في باب النون والواو .
قوله : ( فالحي المؤمن ) كما أن الحي والميت يطلقان على من اتصف بالروح - الحيواني ، وعلى
من زالت عنه ، كذلك يطلقان على من اتصف نفسه النطاقة بكمالاتها من الإيمان والأخلاق وغيرها
، وعلى من لم يتصف نفسه بها بل هذا الإطلاق أولى عند أرباب العرفان وأصحاب الايقان لأن هذه
حياة باقية وتلك حياة فانية .
قوله : ( بكلمته ) وهي أمره أو جبرئيل ( عليه السلام ) سمى بها لأنه يكلم الناس عن الله عز وجل ويبلغ أمره
إليهم .
قوله : ( كذلك يخرج الله عزّ وجلّ المؤمن في الميلاد ) أي كما أخرج الله المؤمن والكافر وميز
بينهما حين كونهما طيناً ، كذلك يخرج المؤمن في الميلاد الظلمة بعدد خوله إلى النور . ويخرج
الكافر من النور إلى الظلمة بعد دخوله في النور ، والميلاد أخص من المولد لأن المولد الموضع
للولادة والوقت ، والميلاد الوقت لاغير ، والمراد بالظلمة ظلمة الكفر أو ظلمة طينة سجين ،
وبالنور الإيمان أو نور طينة الجنة ، وبدخول المؤمن في ظلمة الكفر كونه في أصلاب الاباء الكفرة
وأرحام الأمهات الكافرات إلى أن أخرج الله تعالى عنها في وقت ولادته فتخلص من ظلمة الكفر
ودخل في نور الإيمان ، وقس عليه دخول الكافر في نور الإيمان واخراجه منه ويظهر من هذا
شرح أصول الكافي — صفحة 13
مساهمون: محمد صالح المازندراني
ص١٣