باب
جوامع التوحيد
يذكر فيه أنحاء من اعتبارات ثبوتية وسلبية للرد على الفرق المبتدعة منهم الملاحدة الذين
لا يؤمنون بالله وهم صنفان : الأول صنف طلبوا للعلم سبباً فأحالوه على الطبع الذي هو صفة
جسمانية مظلمة خالية عن المعرفة والإدراك .
الثاني : صنف لم يتفرغوا لذلك ولم يتنبهوا بطلب السبب بل اشتغلوا بأنفسهم وعاشوا عيش
البهائم . ومنهم عبدة الأوثان وهم قد علموا أن لهم ربّاً وجب طاعته ولكن حجبوا بظلمة الحس
وكدورات النفس عن أن يتجاوزوا العالم الجسماني المحسوس في إثباته فاتخذوا رباً من هذا
العالم ، وهم أصناف : الأول صنف اتخذوا من الجواهر كالذهب والفضة أشخاصاً مصورة وجعلوها
آلهة ، الثاني صنف ترقوا عن ذلك وقالوا : هذه الصور منحوتة نحن نحتناها والرب أعز من ذلك
وأجمل فإذا رأوا إنساناً في غاية الجمال أو فرساً أو بقراً أو شجراً لها نوع اعتبار وخصوصية عبدوه
وقالوا : هو ربنا .
الثالث : صنف ترقوا عن ذلك وقالوا : ينبغي أن يكون الرب نورانياً فعبدوا النار إذ وجدوها بهذه
الصفة .
الرابع : صنف ترقوا عن ذلك وقالوا : النار تطفأ وتقهر فلا تصلح أن تكون رباً والرب يجب أن يكون
نورانياً موصوفاً بالعلو ، فعبدوا النجوم كالشمس والمشتري والشعرى وغيرها ، ومنهم فصلوا فقالوا : إن
في هذا العالم خيرات وشروراً والخير نور والشر ظلمة وبينهما منازعة فوجب أن يكون الخير
مستنداً إلى النور ، والشر إلى الظلمة ، فأحالوا العالم إليهما وهم الثنوية . ومنهم جاوزوا الحس وقالوا :
الرب أعز من أن يكون محسوساً ولكن لم يتجاوزوا مرتبة الوهم والخيال فعبدوا موجوداً قاعداً
على العرش ، وأخسهم رتبة المجسمة ، ثم أصناف الكرامية ، وأرفعهم درجة من نَفى الجسمية
وجميع عوارضها إلاّ الجهة فخصصوه بجهة فوق وهم المشبهة . ومنهم من ترقوا عن ذلك فعبدوا
إلهاً سميعاً بصيراً متكلماً عالماً قادراً منزهاً عن الجهات لكن فهموا هذه الصفات على حسب
مناسبة صفاتهم ، وربما صرح بعضهم فقال : كلامه صوت ككلامنا . وربما ترقى بعضهم فقال : لا بل هو
كحديث أنفسنا ولا صوت ولا حرف ولذلك إذا حقق القول رجعوا إلى التشبيه في المعنى وإن أنكروه
لفظاً إذ لم يدركوا كيفية إطلاق هذه الألفاظ في حق الله تعالى . وكل هؤلاء مشتركون في أنهم يدعون مع
الله إلها آخر ( ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ربه إنه لا يفلح الكافرون )
ووراء هذه المذاهب وغيرها من المذاهب الباطلة مذهب صحيح وهو أن الصانع موجود قديم أزلي
شرح أصول الكافي — صفحة 128
مساهمون: محمد صالح المازندراني
ص١٢٨