وفيه دلالة على جواز إطلاق النفس عليه كما في قوله تعالى حكاية « ولا أعلم ما في نفسك » قال
محي الدِّين البغوي النفس تطلق على الدّم ، وعلى نفس الحيوان ، وعلى الذَّات ، وعلى الغيب .
والأوَّلان يستحيلان في حقّه تعالى ، والآخر أن يصحُّ أن يرادا ، ومنه « ولا أعلم ما في نفسك » أي في
ذاتك أو في غيبك ( قدرته نافذة ) في جميع الأشياء بحيث لا يتأبّى شيء من تلك الأشياء عن
نفوذها فيه .
( فليس يحتاج أن يسمّي نفسه ) ويستعين بأسمائه الحسنى في إنفاذ قدرته كما يحتاج غيره
لكونه نقاص القدرة إلى تسميته بتلك الأسماء والاستعانة بها ( ولكنّه اختار لنفسه أسماء لغيره
يدعوه بها ) وفيه دلالة على ما هو المقصود بيانه في هذا الباب من حدوث أسمائه تعالى وعلى أنَّ
أسمائه تعالى توقيفيّة لا يجوز لأحد أن يدعوه إلاّ بما سمّى به نفسه ، وقد ذكرنا تفصيل ذلك سابقاً .
( لأنّه إذا لم يدع باسمه لم يعرف ) الضمير المنصوب راجع إليه سبحانه والفعلان مبنيان
للمفعول وهذا تعليل لاختيار الأسماء ، والوجه فيه ظاهر لأنّه إذا لم يدع باسمه الّذي اختار لنفسه
ووصف نفسه به لربّما يدعي بما لا يوصف به فلم يكن المعروف هو بل غيره ، وأيضاً من المعلوم
بالضرورة أنَّ معرفة الاسم وشهرته سبب لمعرفة المسمّى بذلك الاسم وشهرته فعدم معرفة
أسمائه تعالى سبب لعدم معرفته وقد كان المقصود الأصلي في إيجاد الخلق هو معرفتهم إيّاه
وجعل التعليل تعليلاً لقوله « يدعوه بها » وإرجاع الضمير المنصوب إلى الغير وبناء الفعلين للفاعل
بعيد جدّاً وإن كان المآل واحداً للزوم تفكيك الضمير في قوله باسمه وحذف ضمير المفعول في
الفعلين مع الغناء عنه بما ذكر .
( فأوَّل ما اختار لنفسه العليُّ العظيم ) الظاهر أنّه الأوَّل بالإطلاق فهو إذن ذلك الاسم المذكور في
الحديث السابق الّذي هو الأصل للجميع ويحتمل أنّه أوَّل بالإضافة كما أشرنا إليه ( لأنّه أعلى
الأشياء كلّها ) أي فوقها بالرتبة والعلّيّة وشرف الذَّات وكلُّ شيء سواه ناش منه مفتقر إليه من جميع
الجهات وهذا إمّا تعليل لتسميته بهذا الاسم أو تعليل لكون هذا الاسم أوَّل الأسماء أمّا الأوَّل
فظاهر وأمّا الثاني فلأنّك قد عرفت أنَّ اختيار الاسم لأجل غيره من المخلوقات فينبغي أن يكون
الاسم الأوَّل ما يدلُّ على أنّه أعلى منهم بحسب العظمة والذَّات .
( فمعناه الله ) أي الذَّات المقدَّسة عن النقايص والحالات المتّصفة بجميع الصفات والكمالات
( واسمه العليُّ العظيم ) الدَّال على كمال علوِّه وعظمته كما أشار إليه بقوله ( هو أوَّل أسمائه علا
على كلِّ شيء ) علواً عقليّاً مطلقاً بمعنى أنّه لا رتبة فوق رتبته ولا رتبة تساوي رتبته . بيان ذلك أنَّ
أعلى مراتب الكمال العقليّة هو مرتبة العلّيّة ولمّا كانت ذاته المقدَّسة هي مبدء كلِّ موجود
شرح أصول الكافي — صفحة 296
مساهمون: محمد صالح المازندراني
ص٢٩٦