العلم بالمسموعات والمبصرات أو صفة اُخرى غيره ؟ فذهب المحقّقون إلى الأوَّل وذهب طائفة
إلى الثاني وقالوا : ذكرهما مع العلم في كثير من الآيات والرِّوايات وإثباتهما بالدَّليل بعد إثبات العلم
بجميع المعلومات دليل على المغايرة والحقُّ هو الأوَّل لدلالة كثير من الرِّوايات الآتية عليه وذكر
الخاصّ مع العام شايع وإثباتهما بالدَّليل بعد إثبات عموم العلم للدَّلالة على تحقّق هذا العلم
المخصوص له سبحانه أعني العلم بالمسموع والمبصر من حيث أنّه مسموع ومبصر حتّى أنّهما
حاضران عنده على هذه الحيثيّة بالمشاهدة الذَّاتيّة بلا آلة كما أنّهما حاضران عندك بالمشاهدة
العينيّة والملاحظة الآلية ، فإثبات السمع والبصر من حيث أنّهما علم داخل تحت إثبات العلم
مطلقاً ومن حيث الخصوصيّة المذكورة مفتقر إلى دليل على حدة ، فإن قلت : كما أنّه تعالى عالم
بالمسموع والمبصر بالحيثيّة المذكورة كذلك هو عالم بالملموس مثلاً من حيث أنّه ملموس فلم لا
يطلق عليه اللاّمس للدَّلالة على أنّه عالم بالملموسات بالحيثيّة المذكورة ، قلنا : لا ريب في أنّه عالم
بها من هذه الحيثيّة لكن إطلاق الاسم عليه موقوف على الإذن حتّى أنّه لو لم يقع الإذن على إطلاق
السميع والبصير عليه لما أطلقناهما عليه .
وقال بعض أصحابنا فإن قلت : لم يكن شيء من المسموعات والمبصرات في الأزل فلم يكن
الله سميعاً وبصيراً في الأزل ( 1 ) إذ لا يعقل سماع المسموعات الحادثة وإبصار المبصرات الحادثة
هامش
1 - « فلم يكن الله سميعاً وبصيراً في الأزل » لا يخفى أن الإدراك يوجب ارتباطاً بين المدرك والمدرك والعالم
والمعلوم وأن هذا الارتباط في الحس عبارة عن تأثير المحسوس في الحاس بأن يكون الأشياء علة في الجملة
والحواس معلولة في حيثية ما ولا شك أن هذا الإدراك الحسي يستلزم وجود المحسوس بالفعل إذ لو لم يكن
بعد موجوداً لم يتعقل تأثيره في الحس ولذلك لا يجوز لنا رؤية أمور لم توجد بعد وتوجد في الزمان
المستقبل وأما الذي وجد في الزمان الماضي وانقضى فربما أمكن تأثيره بالأعداد مثلاً ما تنبه له القدماء من
سماع صوت الرعد بعد حدوث سببه بزمان وما يعتقده أهل زماننا من أنه يمكن رؤية كواكب كانت موجودة
سابقاً وأرسلت نورها إلينا قبل سنين ثم عدمت الكواكب وبقي النور فيمكن لنا رؤية شيء كان في الزمان
الماضي وأما المستقبل فرؤيته غير ممكنة إذ لا يمكن تأثير ما لم يوجد بعد بوجه ثم أن هذا النوع من
الارتباط غير متصور بين الواجب تعالى ومخلوقاته إذ لا يمكن أن يكون ذاته متأثرة من الأشياء حتى يدرك
بل الواجب أن يكون الارتباط الموجب للعلم هو علية الواجب تعالى لمخلوقاته فسمعه وبصره وعلمه راجعة
إلى الارتباط العلي بينه وبينها وقد حقق ذلك المحقق الطوسي ( قدس سره ) في موضعه فيرجعا لكلام إلى أن الارتباط
بين العالم والمعلوم والسميع والمسموع والبصير والمبصر الذي هو مناط الإدراك قد يكون بتأثير المعلوم
في العالم وحينئذ لا يمكن إبصار ما لم يوجد وقد يكون بتأثير العالم في المعلوم فلا مانع من إبصار ما سيأتي
والحاصل أن الإدراك متفرع على الارتباط والارتباط متوقف على التأثير فإن كان بتأثير المعلوم في العالم لم
يمكن إدراك ما في المستقبل وأمكن إدراك ما في الماضي حساً وإن كان بتأثير العالم في المعلوم جاز إدراك ما
في المستقبل والماضي جميعاً . ( ش )