من أجدل النّاس وأعلمهم ، اذهبوا بنا إليه لعلّي أسأله عن مسألة واُخطّئه فيها فأتاه فقال : يا أمير
المؤمنين إنّي أريد أن أسألك عن مسألة قال : سل عمّا شئت ، قال : يا أمير المؤمنين متى كان ربّنا ،
قال له : يا يهودي إنّما يقال : متى كان لمن لم يكن ، فكان متى كان ، هو كائن بلا كينونيّة كائن ، كان
بلا كيف يكون ، بلى يا يهودي ثمّ بلى يا يهودي كيف يكون له قبل ؟ ! هو قبل القبل بلا غاية ولا
منتهى غاية ولا غاية إليها انقطعت الغايات عنده ، هو غاية كلّ غاية فقال : اشهد أنّ دينك الحقّ
وأنّ ما خالفه باطل .
* الشرح :
( عليُّ بن محمّد عن سهل بن زياد عن عمرو بن عثمان عن محمّد بن يحيى عن محمّد بن
سماعة ، عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) قال : قال رأس الجالوت لليهود إنَّ المسلمين يزعمون أنَّ عليّاً من
أجدل النّاس ) أي أقواهم في المجادلة والخصام وأشدُّهم في المناظرة والكلام وأفصحهم بياناً
وأطلقهم لساناً ( وأعلمهم ) في فنون العلم كلّها بحيث لم يسبقه سابق ولا يلحقه لاحق .
( اذهبوا بنا إليه لعلّي أسأله عن مسألة وأخطّئه فيها ) أخطأ وخطّأ إذا لم يصب الصواب كذا في
تاج المصادر وخطأه تخطئة إذا نسبة إلى الخطأ فقال له : أخطأت .
( فأتاه فقال يا أمير المؤمنين إنّي اُريد أسألك عن مسألة قال : سل عمّا شئت ) دلَّ هذا على
أنّه ( عليه السلام ) كان بحراً زاخراً في العلوم وإنّه كان لا يخفى عليه شيء كما يدلُّ عليه قوله ( عليه السلام ) « سلوني » ( 1 )
قال بعض العامّة هو أوَّل قائل بهذه الكلمة ولم يقلها أحدٌ غيره وفيه دلالة على أنّه ليس لعلمه نهاية .
( قال : يا أمير المؤمنين متى كان ربَّنا ؟
قال له : يا يهودي إنّما يقال : متى كان لمن لم يكن فكان ) أي لمن لم يكن موجوداً فوجد فيسأل
بمتى عن زمان وجوده . وأمّا من كان موجوداً في الأزل قبل وجود الزمان بلا بداية لوجوده فلا يصحُّ
أن يسأل عنه بمتى كان ( متى كان ) الظاهر أنّه بدل عن مقول إنّما يقال وهو متى كان أو تأكيد له ،
ويحتمل أن يكون إعادة للسؤال بعينه للمبالغة في إنكاره وعدم استقامته لثبوت ما ينافيه كما أشار
إليه بقوله ( هو كان بلا كينونيّة كاين ) أي هو موجود بلا كون حادث فلا يدخل كونه في مقولة متى
لأنَّ « متى » سؤال عن الكون الحادث المسبوق بالعدم ، وفيه تنبيه على أنّه ليس المراد بكونه ما
يتبادر من مفهوم الكون عند الإطلاق أعني الحدوث بل الوجود المجرَّد عن الحدوث والزَّمان .
( كان بلا كيف ) من الكيفيّات المعروفة في خلقه لأنَّ اتّصافه بها نقص لايق بالممكنات المفتقرة
هامش
1 - النهج قسم الخطب تحت رقم 287 .