وهم يسعون في مقتضيات جوارحهم ومشتهيات أنفسهم ، هالكين فيها مجبورين ، وهم أهل القرب وإن كان في بعد موهوم ، وقد بيّن هاهنا أن أسفل سافلين - الذي هو موطنهم من وجه ومسلكهم من آخر - هو عين الحقّ [ 1 ] ، وما هو إلَّا عالم الأفعال البشريّة وإدراكاته ، والجامع للكلّ منها هو القول الظاهر بصور الحروف والكلمات ، فإنّه الآتي بمدركات الجوارح كلَّها ، والكاشف عنها أجمع .
[ القرب الذاتي في أسفل سافلين ]
فقد علم في طيّ هذه المقدّمات أنّ أهل أسفل سافلين - وهم أبعد الموجودات في نظر العامّة - لهم القرب الذاتي ، فبيّن ذلك بقوله : ( فإنّ للحقّ نسبا كثيرة ) كثرة نسب الظلال إلى شخصه ( ووجوها مختلفة ) اختلاف وجوه تلك النسب الظلَّية بحسب قرب بعض الأطراف من الظلّ إليه وبعده عنه ، وأنت تعرف أنّ أقرب أطرافه إليه إنّما هو طرف الرجل .
( ألا ترى عادا قوم هود كيف قالوا ) لما أظلَّهم سحب هذه العوارض
هامش
[ 1 ] فيا بعدا لقائله - « افّ له ولما تعبده من دون الله » - نعوذ باللَّه من أمثال هذه العقائد الفاسدة التي يسوق إليها دبور الجهل المضاد للعقل ، الذي هو نور الله الكاشف عن الحقائق كما هي - نوري .
هذا كما ترى - اللهم إلا أن يؤول من ظاهر سياقه ومساقه إلى الضابطة الموروثة من قبلة العارفين ، أمير مملكة الولاية المطلقة ، علي أمير الموحدين والمؤمنين عليه السّلام من قوله : « توحيده تمييزه عن خلقه ، وحكم التمييز بينونة صفة لا بينونة عزلة » ، ولكن نيل حق مناله لا يتيسّر إلا للأوحدي الفريد في الدهر ، الذي يتمكن من شهود التبعيد في عين التقريب حقيقة ، لا كما تخيّله هذا الشيخ من كون التبعيد وهميا بحتا ، والتقريب حقا وحقيقة - نوري .