وعلمت بقرينة الحال فكونه سكت عن المؤتى إليه بتلك الحبة ، فما ذكره ولا قال لابنه يأت بها الله إليك ولا إلى غيرك ) وفي نسخة أو إلى غيرك ، ولا في النسخة الأولى تأكيد لقوله ، ولا قال وفي ولا قال تأكيد للنفي « في » فما ذكره ، ومعناه ولا قال إلى غيرك فيكون معناهما واحدا .
( فأرسل الإتيان عاما ، وجعل المؤتى به في السماوات إن كان أو في الأرض تنبيها ، لينظر الناظر في قوله تعالى - * ( وهُوَ الله في السَّماواتِ وفي الأَرْضِ ) * - فنبه لقمان بما تكلم به وبما سكت عنه أن الحق عين كل معلوم ، لأن المعلوم أعم من الشيء فهو أنكر النكرات ) أي تنبيها على أن في السماوات والأرض هو الحق ، فالمعلوم في السماوات والأرض ليس غيره لأن المأتى به هو المعلوم في السماوات وفي الأرض ، والمعلوم في السماوات هو ما في الجهة العلوية من الحقائق العينية والاسمية والروحانية على اختلاف طبقاتها ، والمعلوم في الأرض هو ما في الجهة السفلية من الحقائق الكونية والآثار الجسمية على اختلاف مراتبها كالعناصر والمواليد وأحوالها وهيئاتها ، فإنها تحت تصرف العوالم العلوية الإلهية وتأثيراتها ، وإنما جعل المعلوم أعم من الشيء لأن الشيء عنده هو الذي له وجود عيني ، والمعلوم يتناول ما له وجود عيني وما ليس له وجود عيني ، فإن علمه محيط بالكل ، فالمعلوم أعم من الشيء ، وأما عند من جعل الشيء أعم من المتعين الخارجي والعقلي فالمعلوم والشيء يتساويان ، لأن الثابت في العلم شيء كالأعيان الثابتة ، وهو أرجح لقوله - * ( إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناه أَنْ نَقُولَ لَه كُنْ فَيَكُونُ ) * - فإنه تعالى أطلق قبل الكون على العين اسم الشيء وخاطبه بقوله « كُنْ » فيترتب الأمر كونه وكيف كان فالمقصود حاصل ، لأن المراد التنبيه على العالم الآتي بالمعلوم أي الله عين المعلوم سواء كان أعم من الشيء أو مساويا ، فإن الغرض إحاطة علمه بالكل ، وإن العلم والعالم والمعلوم حقيقة واحدة لا فرق بينها إلا باعتبار .
( ثم تمم الحكمة واستوفاها لتكون النشأة كاملة فيها فقال - * ( إِنَّ الله لَطِيفٌ ) * - فمن لطافته ولطفه أنه في الشيء المسمى بكذا المحدود بكذا عين ذلك الشيء حتى لا يقال فيه إلا ما يدل عليه اسمه بالتواطؤ والاصطلاح ، فيقال : هذا سماء وأرض وصخرة وشجر وحيوان وملك ورزق وطعام ، والعين واحدة من كل شيء وفيه كما يقول الأشاعرة : إن العالم كله متماثل بالجوهر فهو جوهر واحد ، فهو عين قولنا العين واحدة ، ثم قالت : ويختلف بالأعراض ، وهو قولنا : ويختلف ويتكثر بالصور والنسب حتى يتميز ، فيقال : هذا
شرح
( إلا ما يدل عليه اسمه ) وما عبارة عما يدل عليه اسم ذلك الشيء من المفهوم ، فإن قولنا هذا سماء لا يحصل على المبتدأ إلا مدلول السماء بالتواطؤ أي بالتوافق والاصطلاح بالى .
( متماثلة بالجوهر ) كتماثل أفراد الإنسان بالإنسان فهو جوهر واحد في كل متماثل كما أن الإنسان واحد في كل متماثل من أفراده بالى .