تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح فصوص الحكم — صفحة 288

مساهمون:

ص٢٨٨
* ( ومن يُسْلِمْ وَجْهَه - إِلَى الله ) * - تعالى - * ( وهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى ) * - وقوله - * ( آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ ) * - والإحسان والحكمة أخوان ، لأن الإحسان فعل ما ينبغي ، والحكمة وضع الشيء في موضعه ، وفي وصيته لابنه - * ( يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِالله إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ) * - وأول مراتب الإحسان المعاملة مع الحق بمحض التوحيد ، ثم الشهود في الطاعة والعبادة كما في قوله عليه الصلاة والسلام « الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه » أي في غاية الظهور ، ومن هذا الباب قوله - * ( يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ من خَرْدَلٍ فَتَكُنْ في صَخْرَةٍ أَوْ في السَّماواتِ أَوْ في الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا الله ) * - ثم في معاملة الخلق كالإحسان بالوالدين ، وجميع وصاياه لابنه من باب الإحسان :
( إذا شاء الإله يريد رزقا له فالكون أجمعه غذاء )
أي إذا تعلقت مشيئة الله بإرادة الرزق له من حيث أنه عين الوجود الحق المتعين بأعيان الممكنات ، فالكون كله والأحكام الإلهية الظاهرة بالكون كلها غذاء له لظهوره بها في ملابس الصفات والأسماء ، فإن الهوية الإلهية الجمعية من حيث عينها بذاتها غنية عن العالمين وعن الأسماء كلها ، وأما تعلق المشيئة بإرادة الرزق فهو من حيث كونه ظاهرا في مظاهر الأكوان وأعيان العالم ، والفرق بين المشيئة والإرادة أن المشيئة عين الذات وقد تكون مع إرادة وبدونها ، والإرادة من الصفات الموجبة للاسم المريد ، فالمشيئة أعم من الإرادة فقد تتعلق بها وتنقبض بها كمشيئة الكراهة أي بالإيجاد والإعدام . ولما كانت الإرادة من الحقائق الأسمائية فلا تقتضي إلا الوجود فتتعلق بالإيجاد لا غير ، ولهذا علقها بالإرادة لتختص بوجود الرزق ، وأصل الكلام أن يريد الرزق لأنها مفعول المشيئة ، فحذف إن ورفع الفعل كقوله
ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى
( وإن شاء الإله يريد رزقا لنا فهو الغذاء كما يشاء )
أي وإن تعلقت مشيئته بإرادة الرزق لنا من لدنه فهو المراد أن يكون لنا رزقا من حيث أنه الوجود الحق ، فيوجدنا كما يشاء ويختفى فينا ويظهرنا كالغذاء بالنسبة إلى المغتذى ، فإنا نقوش وهيئات وشئون وتعينات لا وجود لنا ولا تحقق فهو المتعين بنا ومظهرنا وغذاؤنا ورزقنا بالوجود كما نحن غذاؤه بالأحكام ، وفي نسخة : فهو الغذاء كما تشاء أي كما تقتضي أعياننا أن توجد به ، وكما أن تحققنا وإبقاءنا بالوجود فكذلك بقاء أسمائه بالأعيان .
( مشيئته إرادته فقولوا بها قد شاءها فهو المشاء )
شرح
( إذا شاء الإله يريد رزقا ) له أي أراد الحق سببا لظهور نفسه ( فالكون أجمعه غذاء ) له من إظهارها إياه واختفاؤه فيها بالى . وقيل : إن المشيئة تخصيص المعدوم للوجود والموجود للعدم ، والإرادة تخصيص المعدوم للوجود فقط ( مشيئته عين إرادته فقولوا بها ) أي بالمشيئة قد شاءها الإرادة فهي أي الإرادة بالمشاء بفتح الميم أي المراد فهذا وجه اتحادهما ، ومعنى البيت الأول على تقدير الاتحاد إذا شاء الإله أن يشاء فحينئذ تكون المشيئة المشاء ويفرق بينهما بفرق آخر بقولهيريد زيادة ويريد نقصايعنى أن الإرادة تتعلق بزيادة شيء ونقصه
شرح فصوص الحكم — صفحة 288 | الشيخ عبد الرزاق القاشاني ( الكاشاني )