بوصف شهد نفسه بذلك الوصف ، فإن ذلك الوصف وصفه تجلى به لنا بحسب استعدادنا وإلا من أين حصل لنا ذلك ونحن عدم محض ، ومن ثمة يعلم أن وجودنا وجوده تعين بصورتنا وانتسب إلينا فتقيد وتذكر صمديته لكل شيء حتى تراه في كل شيء - * ( أَولَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّه عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ) * - ولما بين هذا الاتحاد أراد أن يبين الفرق بين الحق والخلق فمثل بتعدد أشخاص النوع وأنواع الجنس ، فقال : ولا شك أنا أي المحدثات كثيرون بالشخص كأشخاص الإنسان مع اتحادهم في حقيقة الإنسان من حيث هو إنسان ، فإنه حقيقة واحدة ، وبالنوع كالإنسان والفرس المتحدين في حقيقة الحيوان ، التي هي حقيقة واحدة وبالجملة أشخاص الموجودات المحدثة والموجودات المتعينة فإنها متميزة متعينة متشخصة ومتنوعة مع اتحادها في حقيقة الوجود ، ولولا ذلك لما كان الكثرة في الواحد ، فكذلك ، وإن وصفنا الحق بما وصف به نفسه من جميع الوجوه فلا بد من فارق وليس إلا افتقارنا إليه وغناه عنا ، فإن الوجود المشخص مطلق الوجود مع قيد ، فذلك القيد الذي هو به غير المقيد الآخر ، وهو افتقار المقيد إلى المطلق وغنى المطلق عن المقيد ( فبهذا صح له الأزل والقدم الذي انتفت عنه الأولية التي لها افتتاح الوجود عن عدم فلا تنسب إليه مع كونه الأول ) أي فبالغنى الذاتي الصمدى القيومى لكل ممكن وكونه سند مقوم لكل مقيد صح له الأزل والقدم ، وانتفت عنه الأولية بمعنى افتتاح الوجود عن العدم ، فإنه محال في حقه مع كونه الأول ( ولهذا قيل فيه الآخر ) أي ولأن أوليته بالغنى الذاتي وعدم الاحتياج في وجوده إلى الغير قيل فيه الآخر ، لا بمعنى أنه آخر كل ممكن إذ الممكنات غير متناهية فلا آخر لها ( فلو كانت أوليته أولية وجود التقييد لم يصح أن يكون الآخر للمقيد لأنه لا آخر للممكن لأن الممكنات غير متناهية فلا آخر لها ، وإنما كان آخرا لرجوع الأمر كله إليه بعد نسبة ذلك إلينا فهو الآخر في عين أوليته والأول في عين آخريته ) أي فلو كانت أوليته بأن يكون وجودا مقيدا واحدا من الموجودات المقيدة فابتدأ منه المقيدات لزم أن يكون آخريته
شرح
( مع كونه الأول ) بمعنى مبدأ كل شيء ، فما تنسب إليه الآخرية بمعنى منتهى كل شيء ومرجعه ( ولهذا ) أي ولأجل انتفاء الأولية عنه بالمعنى المذكور ( قيل فيه الآخر ) فلم يكن له الأولية بهذا المعنى وجود التقييد أي افتتاح الوجود من العدم ( لم يصح أن يكون آخرا للمقيد ) أي الممكن بمعنى رجوع الكل إليه لأنه حينئذ يكون من الممكنات ، والممكن لا يرجع إليه شيء فكانت آخريته حينئذ بمعنى الانتهاء والانقطاع ، وهذا لا يصح أيضا ( لأنه لا آخر للممكن لأن الممكنات غير متناهية ) أي غير منعدم لانتفاء عينه بحيث ؟ تفوته تعالى فلا فقدان في حقه كما ذكر في الفص اليونسية ، فلا ينافيه الانتهاء بحسب الدار الدنيا فإذا كانت غير متناهية ( فلا آخر لها ) فكان الحق آخرا ومنتهى لها فإذا كان الرجوع إليه بالنسبة إلينا فكنا نحن نتصف بالرجوع إليه تعالى في كل آن بحسب - كُلَّ يَوْمٍ هُوَ في شَأْنٍ ) * - وإذا كان الأمر كذلك ( فهو الآخر في عين أوليته والأول في عين آخريته ) بحيث لا يتقدم أحدهما على الآخر في الرتبة ، فهو الآخر حيث أول إذ رجوع الكل ثابت فيه ، وهو الأول حيث آخر إذ مبدئيته للكل ثابت فيه ، فكأن أوليته عين آخريته