ذوق وشهود ( فلا يزال الحق من هذه الحيثية ) أي من هذا الوجه ( غير معلوم ) أبدا ( علم ذوق وشهود لأنه لا قدم ) ولا سابقة ( للحادث في ذلك ) أي في الوجوب الذاتي البتة .
قوله ( فما جمع الله لآدم بين يديه إلا تشريفا ، ولهذا قال لإبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيديّ ) لما ذكر أن الصفتين المتقابلتين يد الحق اللتان توجهتا منه على خلق الإنسان الكامل ، وكان قد مثل بصفات الله تعالى متقابلة مشتركة في أنها مؤثرة فكانت أيادي معطية متقابلة ، وقد أومأ إلى صفات العالم متقابلة مشتركة في أنها انفعالية ، فكانت أيادي قابلة آخذة وسوانا فيها مع العالم فأراد أن يثبت لنا التشريف من الله بالجمع بين يديه المتقابلتين في الإعطاء والقبول أيضا ، فإن لله تعالى يدين متقابلات معطية كالرضا والغضب ، ومتقابلات آخذة قابلة ألا ترى إلى قوله تعالى - * ( أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ الله هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِه ويَأْخُذُ الصَّدَقاتِ ) * - ولهذا وبخ إبليس وذمه على ترك السجود لآدم ، حيث رأى منه صفات العالم من الانفعالات القابلة كالخوف والرجاء ، ولم ير الصفات الفعلية ولم يعرف أن القابلة أيضا صفات الله فإنها من الاستعداد الفائض عن الفيض الأقدس ، وقال ( وما هو إلا عين جمعه بين الصورتين صورة العالم وصورة الحق وهما يد الحق ) يعنى كما أن المتقابلات المعطية يد الحق ، فالمعطية والقابلة والآخذة أيضا يدان متقابلتان للحق ، فلو لم يكن لآدم تلك القوابل لم يعرف الحق بجميع الأسماء ولم يعبده بها ( وإبليس ) لم يعرف ذلك لأنه ( جزء من العالم لم يحصل له هذه الجمعية ) فما عرف إلا ما هو من العالم فاستكبر وتعزز لاحتجابه عن معرفة آدم إذ لم يكن له جمعية فلم يعرف منه إلا ما هو من جنس نشأته ، فاستوهنه ونقص به وما عرف أن الذي حسبه نقصانا كان عين كماله كما قال ( ولهذا كان آدم خليفة ، فإن لم يكن ) أي آدم ظاهرا ( بصورة من استخلفه ) أي الحق ( فيما استخلفه فيه ) من العالم وأجزائه ( فما هو خليفة ) أي لم يكن خليفة لأن الخليفة يجب أن يعلم مراد المستخلف وينفذ أمره فلو لم يعرفه بجميع صفاته لم يمكنه إنفاذ أمره ( وإن لم يكن فيه جميع ما في العالم ) من الأسماء والصفات ( وما تطلبه الرعايا التي استخلف عليها ) يعنى أجزاء العالم المستخلف هو عليها
شرح
من هذه الحيثية ( فما جمع الله لآدم بين يديه إلا تشريفا ) على غيره لا لشرفه في حد ذاته كما أن مكة مشرفة بتشريفه وإلا فهو واد كسائر الأودية فلا يكون جمعية الإنسان الكامل علة تامة لجمعية اليدين بل لا بد في التشريف من تشريف الحق ولهذا أي لكون الجمع للتشريف ( قال لإبليس ) لكونه مخلوقا بيد واحدة بالى .
( وما هو ) أي وليس جمع اليدين لآدم ( إلا عين جمعه ) لآدم ( بين الصورتين صورة العالم ) وهي الحقائق الكونية ( وصورة الحق ) وهي الحقائق الإلهية من الأسماء والصفات فآدم عبارة عن الصورتين واليدين ( وهما ) أي الصورتان ( يد الحق ) باعتبار اتحاد الظاهر والمظهر ، إذ بهما يتصرف الحق فما أمر الملائكة إلا لأن تسجد لله تعالى ، فكانت سجدتهم لله وقبلتهم آدم وأبى إبليس لعدم علمه ( وإبليس جزء من العالم ) فكان جزءا من جزء آدم ( لم يحصل له هذه الجمعية ) التي لآدم بالى .