أن الكون وإن كان خيالا باعتبار ظليته ، لكنه عين الحق باعتبار حقيقته ، لأنه
عين الوجود المطلق ، تعين بهذه الصور ، فتسمى بأسماء الأكوان ، كما أن الظل
باعتبار آخر عين الشخص . وكل من يفهم أن الكون باعتبار ظل للحق وسوى
وغير مسمى بالعالم ، ويعلم أنه باعتبار آخر عين الحق ، عرف أسرار السلوك
والطريقة .
( وكان ، صلى الله عليه وسلم ، إذا قدم إليه لبن ، قال : ( اللهم بارك لنا فيه ،
وزدنا منه ) . لأنه كان يراه صورة العلم ، وقد أمر بطلب الزيادة من العلم . وإذا قدم
إليه غير اللبن ، قال : ( اللهم بارك لنا فيه وأطعمنا خيرا منه ) . فمن أعطاه الله ما أعطاه
بسؤال عن أمر إلهي ، فإن الله لا يحاسبه به في الدار الآخرة ، ومن أعطاه الله تعالى ما
أعطاه بسؤال عن غير أمر إلهي ، فالأمر فيه إلى الله تعالى : إن شاء حاسبه به ، وإن شاء لم
يحاسبه به . وأرجو من الله في العلم خاصة أنه لا يحاسبه به . ) أي ، وأرجو من الله
في العلم أنه لا يحاسب الطالب بالعلم الذي أعطاه في الدنيا .
( فإن أمره لنبيه ، عليه السلام ، بطلب الزيادة من العلم عين أمره لأمته ، فإن الله
يقول : ( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ) وأي أسوة أعظم من هذا التأسي لمن
عقل عن الله . ولو نبهنا على المقام السليماني على تمامه ، لرأيت أمرا يهولك الاطلاع
عليه . فإن أكثر علماء هذه الطريقة جهلوا حالة سليمان ، عليه السلام ، ومكانته ،
وليس الأمر كما زعموا . والله يقول الحق وهو يهدى السبيل . ) أي ، ظنوا من أنه قدم
اسمه على اسم الله واختار ملك الدنيا وطلب أن لا يكون ذلك لغيره . وهو أعظم
مكانة عند الله مما قالوا في حقه ، لأنه مظهر اسم ( الرحمن ) الذي هو جامع الأسماء .
ومطلوبه ملك لا يتعلق بالدنيا ، لذلك نكره وتنكيره للتعظيم . والدنيا لا تزن
عند الله جناح بعوضة قد كما قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم . فليس الأمر كما
قيل في حقه . والله الهادي .
شرح فصوص الحكم — صفحة 943
مساهمون: محمد داوود قيصري رومي
ص٩٤٣