فيه لبن وإناء فيه خمر ، فشرب اللبن . فقال له الملك : أصبت الفطرة ، أصاب الله بك
أمتك . فاللبن متى ظهر ، فهو صورة العلم ، تمثل في
صورة اللبن ، كجبرئيل تمثل في صورة بشر سوى لمريم . ) إنما شبه ظهور العلم في الصورة اللبنية بظهور جبرئيل
( ع ) في الصورة البشرية لمريم ، عليها السلام ، لأن كلا منهما من عالم الحقائق
المجردة المتعالية عن الصورة الحسية . ظهر بأمر الحق ، ليحصل به مراد الله في
العين الخارجية ، وهو تكميل العباد .
( ولما قال ، عليه السلام : ( الناس نيام ، فإذا ماتوا انتبهوا ) . نبه على أنه كل
ما يراه الإنسان في حياته الدنيا إنما هو بمنزلة الرؤيا للنائم : خيال فلا بد من تأويله . )
( الواو ) في ( ولما ) عطف على ( لما أسرى . ) أي ، نبه ، صلى الله عليه وسلم ، بهذا
الحديث على أن الحياة الحسية حياة ظلية للحياة الحقيقية ، والظل خيال . كما نبه في
( الفص اليوسفي ) . فكل ما في الحس من الأشياء خيالات وصور لمعان غيبية
وأعيان حقيقية ، ظهرت في هذه الصور لمناسبة بينها وبين تلك الحقائق ، فلا بد من
تأويل كل ما يسمع ويبصر في العالم الحسى إلى المعنى المراد في الحضرة الإلهية . ولا
يعلمه إلا العالمون بالله وتجلياته وأسمائه وعوالمه ، وهم الراسخون في العلم .
فمن وفق بذلك وهدى ، فقد أوتى الحكمة . ( ومن يؤت الحكمة فقد أوتى خيرا
كثيرا ) .
( إنما الكون خيال * وهو حق في الحقيقة
كل من يفهم هذا * حاز أسرار الطريقة )
يجوز أن يكون المراد ب ( الكون ) عالم الصور . ويجوز أن يكون العالم بأسره ،
لأن العالم كله ظل للغيب المطلق وعالم الأعيان .
وقوله : ( وهو حق ) يجوز أن يكون ما يراد في مقابله الباطل . أي ، هذا
القول حق في الحقيقة ، وكل من يفهم هذا المعنى وعرف تأويلات ما يشاهد
في الكون ، حاز أسرار السلوك إلى الله . ويجوز أن يكون الحق تعالى . ومعناه :
شرح فصوص الحكم — صفحة 942
مساهمون: محمد داوود قيصري رومي
ص٩٤٢