يحتمل أن يكون العامل فيه ( تنفخ ) ، فيكون طيرا . ) أي ، قال تعالى في حقه : (
ويحيى الموتى ) . ونسب الإحياء إليه وأضافه بطريق التحقيق ، وإن كان من حيث
إنه آلة والفاعل على الحقيقة والمحيي للأموات هو الله ، فنسبة الإحياء إليه
بطريق التوهم ، وخلق الطير ينسب إليه بطريق التحقيق ، وبطريق التوهم . كما
قال أيضا في حقه : ( فتنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله ) ومتعلق بإذن الله . والعامل
فيه يجوز أن يكون ( فيكون ) ، ويجوز أن يكون ( فتنفخ ) . وعلى الأول ،
فيكون النفخ من عيسى والكون من الطير بإذن الله وأمره . كما مر في
( الفص اللوطي ) أن الأمر من الله والتكون من نفس المأمور ب ( كن ) . أو من
أمر الله . وعلى التقديرين ، لا يكون من عيسى إلا النفخ فقط . وعلى الثاني ،
يكون الخلق منه حين كونه مأذونا به . فاجتمع فيما صدر منه من الإحياء والخلق
جهتا التحقيق والتوهم ، كما اجتمع فيما خلق منه .
وقوله : ( من حيث صورته الحسية الجسمية ) قيل ( 17 ) معناه : إنه يكون من
حيث صورته طيرا ، ولا يكون طيرا بالحقيقة ( 18 ) وفيه نظر . لأن المخلوق الطير
بالحقيقة - وهو الخفاش - لا صورة الطير ، وليس جعل صورة الطير مجردا عن
روحه مما يعد من المعجزات . بل معناه : فيكون طائرا محققا صادرا من عيسى من
حيث صورته المحققة في الحس ، لأن كلامه حينئذ في إثبات كونه محققا . كما قال
هذا القائل : ( وإن جعلنا العامل ينفخ ، كان الموجب لكونه طيرا هو نفخ عيسى
بإذن الله ) . وإذن الله لعبده في الإتيان بخوارق العادات قسمان : ذاتي قديم ،
وعرضي حادث ( 19 ) أما الأول . فهو جعل الحق عين العبد مستعدا قابلا للتصرف
هامش
( 17 ) - والقائل هو الشيخ العارف ، المولى عبد الرزاق ، في شرحه على هذا الموضع . ( ج )
( 18 ) - قال الشيخ كمال الدين عبد الرزاق الكاشاني ( رض ) : ( وكان طيرا من حيث أن صورته
الجسمية الحسية صورة طير ، لا طيرا بالحقيقة ) . ( ج )
( 19 ) - قوله : ( ذاتي قديم . . . ) . قال شيخنا الأستاذ : ( الذاتي القديم كإذن الله للعين الثابتة
الأحمدية ، لإحاطته بجميع الأعيان وكون سائر الأعيان مندكة فيه فانية في حضرته .
والعرض غير ذلك ) . أقول ليس المراد ذلك . بل المراد أن القابليات لما كانت بالفيض
الأقدس في النشأة العلمية ، كما قال الشيخ ، والقابل من فيضه الأقدس ، كان الإذن في
تلك النشأة إذنا ذاتيا قديما تبعا للتجلي الذاتي القديم . وأما الوجود المفاض بالفيض
المقدس على الأعيان في النشأة العينية ، فعارض حادث ، فالإذن عرض حادث تابع .
والفرق بين ما ذكرنا وبين ما أفاد شيخنا ، دام ظله ، واضح . كما لا يخفى . ( الامام الخميني
مد ظله )