صفاته بذاته ، ويعلم الأعيان التي هي صور الأسماء بعين ما يعلم ذاته ، فكما لا
يعلم من ذاته وأسمائه وصفاته إلا ما تعطيه الذات والأسماء والصفات مما هي
عليها ، كذلك لا يعلم من الأعيان إلا ما تعطيه الأعيان واستعداداتها مما هي
عليها ، فعلمه تعالى تابع للمعلوم من هذا الوجه ، وإن كان المعلوم تابعا للعلم من
وجه آخر . فمن كانت عينه مؤمنة حال ثبوتها وحال كونها موصوفة بالعدم بالنسبة
إلى الخارج ، فهو يظهر مؤمنا عند سماع أمر الله بقوله : ( كن ) . ومن كان كافرا أو
عاصيا أو منافقا ، فهو يظهر في الوجود العيني بتلك الصفة . فالحق ما يعاملهم إلا
بما يقتضى أعيانهم باستعداداتها وقبولها : إن خيرا ، فخير ، وإن شرا ، فشرا . فمن وجد خيرا ، فليحمد الله ، ومن
وجد دون ذلك ، فلا يلومن إلا نفسه - ( فما
ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ) .
ولما تكلم من طرف القابل ، تكلم من طرف الفاعل بقوله : ( كذلك ما قلنا
لهم . . . ) أي ، ما أمرناهم إلا ما يقتضيه ذاتنا وأسماؤنا ، فمنا القول والأمر ،
ومنهم السماع والامتثال .
ولما كان الأمر من الله على قسمين : قسم لا يمكن أن لا يمتثل له شئ
من الأعيان ، وقسم يمكن أن لا يمتثل له بعض الأعيان ، قال : ( ولهم الامتثال
وعدم الامتثال مع السماع منهم . ) أما الأول ، فهو الأمر الذي به توجد الأعيان ،
وهو قول : ( كن ) . إذ عدم الامتثال فيه محال ، لأن أعيان الممكنات كلها طالبة
للوجود العيني من الحضرة الإلهية ، فلا يمكن أن لا يمتثل له شئ منها . وأما الثاني ،
فهو الأمر بالإيمان والهداية وتوابعهما ، فإن من لا تكون عينه قابلة له أو للوازمه ، لا
يمكن أن يمتثل له .
( فالكل منا ومنهم والأخذ عنا وعنهم )
أي ، فكلما يحصل من التجليات والأحوال العارضة على الموجودات ، منا
بحسب الفاعلية ، ومنهم بحسب القابلية ، وتلك التجليات والأحوال بحسب
أخذ العلم عن ذاتنا مما هي عليها من الأسماء والصفات ، وعن ذواتهم ، لأن
شرح فصوص الحكم — صفحة 809
مساهمون: محمد داوود قيصري رومي
ص٨٠٩