( فالتجلي الصوري في حضرة الخيال يحتاج إلى علم آخر ، يدرك به ما أراد الله
بتلك الصورة ) . ولا يحصل علمه إلا بانكشاف رقائق الأسماء الإلهية والمناسبات
التي بين الأسماء المتعلقة بالباطن ، وبين الأسماء التي تحت حيطة الظاهر . لأن
الحق إنما يهب المعاني صورا بحكم المناسبة الواقعة بينهما - لا جزافا كما
يظن المحجوبون أن الخيال يخلق تلك الصور جزافا - فلا يعبرون ويسمونها
( أضغاث أحلام ) . بل المصور هو الحق من وراء حجابية الخيال . ولا يصدر منه ما
يخالف الحكمة . فمن عرف المناسبات التي بين الصور ومعانيها وعرف مراتب
النفوس التي تظهر الصور في حضرة خيالاتهم بحسبها ، يعلم علم التعبير كما
ينبغي ، ولذلك تختلف أحكام الصورة الواحدة بالنسبة إلى أشخاص مختلفة
المراتب . وهذا الانكشاف لا يحصل إلا بالتجلي الإلهي من حضرة الاسم الجامع
بين الظاهر والباطن .
( ألا ترى كيف قال رسول الله ، عليه السلام ، لأبي بكر في تعبيره الرؤيا :
( أصبت بعضا وأخطأت بعضا ) . فسأله أبو بكر أن يعرفه ما أصاب فيه وما أخطأ .
فلم يفعل ، صلى الله عليه وسلم ) . استشهاد ودليل على أن التجلي الصوري
الخيالي يحتاج إلى علم يدرك به المراد من تلك الصورة المرئية .
نقل صاحب شرح السنة ، أنار الله مضجعه ، عن ابن عباس قال : ( كان أبو
هريرة يحدث أن رجلا أتى رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، فقال : إني رأيت
ظلة ، تنطف منها السمن والعسل ، وأرى الناس يتكففون ( 10 ) في أيديهم -
هامش
( 10 ) - قوله : ( رأيت ظلة ) أي ، سحابا . قوله : ( تنطف ) أي ، تسيل . قوله : ( يتكففون )
التكفف مد اليد للسؤال . ( ج )