الامتياز بين كل منها ، كما نعتبر الجنس الذي بين النوعين ، كالإنسان والفرس ،
فنحكم عليهما بأنهما حيوان ، فكذلك نحكم في الاثنين والثلاثة والأربعة بأنها
مجموع من الآحاد ، مع قطع النظر عما به يمتاز بعضه عن البعض الآخر .
وهو المراد بقوله : ( وإن كانت واحدة ، فما عين واحدة منهن عين ما بقي ) . وهذا
الشق يدل على ما ذهبنا إليه من أن الأصح . فإن كان كل مرتبة من العدد حقيقة .
أي ، وإن كانت المراتب كلها واحدة في كونها جمع الآحاد أو مجموعها ، فليس عين
مرتبة واحدة من تلك المراتب عين ما بقي منها ، لأن كل مرتبة منها حقيقة برأسها
موصوفة بخواص لا توجد في غيرها . ويجوز أن يكون ( ما ) بمعنى ( الذي ) . أي ،
وإن كانت المراتب كلها واحدة بحسب رجوعها إلى حقيقة واحدة هي جمع
الآحاد . فالذي عين واحدة ، من مراتب الاثنين والثلاثة وغير ذلك ، عين ما بقي
في كونه عبارة عن جمع الآحاد . وهي أنسب بقوله : ( فالجمع يأخذها فيقول بها
منها ويحكم بها عليها ) . أي ، إذا كان لا ينفك عنها اسم جمع الآحاد ، فجمع
الآحاد الذي هو كالجنس لتلك المراتب يأخذها ويجمعها ويتناولها ويصدق عليها
صدق الجنس على أنواعه ، فيقول بتلك المراتب من تلك الحقيقة الجامعة إياها
ويحكم بها عليها ، أي ، الجامع بين المراتب يحكم عليها بما يعطيه من الأحكام ، كما
يحكم الحق على الأعيان بما يعطيه من الأحوال .
( وقد ظهر في هذا القول عشرون مرتبة ، فقد دخلها التركيب ) . أي ،
حصل في هذا القول ، وهو إن كان كل مرتبة حقيقة ، عشرون مرتبة : أولها ،
مرتبة الواحد المنشئ للعدد ، ثم مرتبة الاثنين إلى التسعة فصار تسعة ، ثم مرتبة
العشرة والعشرون إلى تسعين وهي تسعة أخرى فصار ثمانية عشر ، ثم مرتبة
المائة والألف ، وعلى الباقي يدخل التركيب . وضمير ( دخلها ) يرجع إلى
المراتب العشرين .
( فما تنفك تثبت عين ما هو منفى عندك لذاته ) . أي ، لا يزال تثبت في كل
مرتبة من المراتب عين ما تنفيه في مرتبة أخرى ، كما ذكر من أن الواحد ليس من
العدد ، باتفاق جمهور أهل الحساب ، مع أنه عين العدد ، إذ هو الذي بتكرره ( * )
شرح فصوص الحكم — صفحة 558
مساهمون: محمد داوود قيصري رومي
ص٥٥٨