حدوثا زمانيا ، لئلا يلزم أن يكون الحادث صفة للواجب . وهو أعلى وجه
للمتكلم في هذه المسألة بنظره الفكري .
وجواب ( لولا ) محذوف ، تقديره : لولا أن المتكلم أثبت العلم زائدا
مطلقا على الذات ، فجعل التعلق له لا للذات ، لكان ممن فاز بالتحقيق واتصل
بأهله . ( وبهذا انفصل ) أي ، يجعله زائدا على الذات مطلقا ، عن أهل
التحقيق ، إذ المحقق قائل بأنه عين الذات في مرتبة مطلقا ، وفي أخرى عينه من
وجه ، غيره من وجه آخر ، وهي عند كونه نسبة من النسب الذاتية . ولما كان المراد
بالمحقق هو الذي انكشف له أحدية الحق وسريانه في المراتب الوجودية الموجبة
للتعدد والتكثر الموهمة لوجود الأغيار وشاهد الأمور على ما هي عليها بحسب
الكشف والذوق ، قال ( رض ) : ( من أهل الله صاحب الكشف والوجود ) .
والمراد بالوجود هنا ( الوجدان ) .
ومن أمعن النظر فيما مر من المقدمات وتحقق بأسراره ، لا يزاحمه الشكوك
والشبهات الوهمية التي تقع في مثل هذه المباحث .
( ثم نرجع إلى الأعطيات ، فنقول ، إن الأعطيات إما ذاتية ، أو أسمائية ( 9 ) فأما
المنح والهبات والعطايا الذاتية فلا تكون أبدا إلا عن تجلى إلهي ، والتجلي من الذات
لا يكون أبدا إلا بصورة استعداد المتجلى له ، ( 10 ) غير ذلك لا يكون . فإذا المتجلى له ،
هامش
( 9 ) - قوله : ( إما ذاتية . . . ) . اعلم ، أن الذات المقدسة ، بما هي هي ، لا يتجلى لمرآة من المرائي
ولا يظهر في عالم من العوالم ، إلا من وراء حجب الأسماء ، بل سائر الفواعل غير ذات
الباري أيضا كذلك . فالذات دواما محجوبة بحجاب الأسماء والصفات . فالمنح الذاتية لم
تكن من الذات بما هي هي ، بل منها بتعين الأسماء الإطلاقية ، كاسم ( الله ) الأعظم
والاسم ( الرحمن ) بمقامه الجمعي . والمنح الأسمائي ما كانت منها بتعين الأسماء الأخر ،
كالرحمن ، باعتبار الآخر ، والواسع وغيرهما . ( الإمام الخميني مد ظله )
( 10 ) - هذه العبارة لا تخلو عن صعوبة وانغلاق ، وقد أوضحه شيخنا الأقدم ، قدوة العرفاء
والحكماء ، ميرزا محمد رضا أصفهاني ( قمشهاى ) ، في تعاليقه المباركة :
قوله في فص الشيثي : ( والتجلي من الذات لا يكون أبدا إلا بصورة استعداد المتجلى
له ) . أقول : اعلم ، أن المتجلي قد يكون متجليا بذاته بأن يكون التجلي نفس ذات المتجلي
بلا اختلاف جهة واعتبار : وذلك في الشاهد كضوء الشمس ، فإنه يتجلى للمتجلى له
بنفس ذاته لا بأمر منفصل عن ذاته فائض عنه ، وفي الغائب كذاته تعالى ، فإنه متجل بذاته
لنفس ذاته وليس تجليه وظهوره لنفس ذاته بغير نفس ذاته ، فإن حيث ذاته حيث الجلاء
والظهور لأنه محض الوجود وصرف النور : ( الله نور السماوات والأرض ) . فيكون التجلي والمتجلي
والمتجلى له أمر واحد وحيث فارد . وقد يكون متجليا بأمر فائض عن ذاته منفصل
عن هويته . لست أقول بالانفصال في الذات والحقيقة بل في النعت والمرتبة ، فإن ظهور
الشئ يمتنع أن يكون بشئ يخالفه ويباينه في الذات والحقيقة وإلا فيكون الأشياء المتبائنة
بالذات بعضها مظهرا لبعضها ، ويكون كل شئ ظاهرا في كل شئ ، والأمر لا يكون
كذلك . ومثال ذلك في الشاهد جرم
الشمس إذا فرضنا بأنه ضياء وآمنا بقوله : ( وجعل الشمس ضياءا والقمر نورا ) . فإنه يكون متجليا للأشياء بالضوء الفائض عنه لها ، وليس
الضوء الفائض عنه نفس ذاته في مرتبته بل عينه بوجه وغيره بوجه : وبالأول ظهوره ،
وبالثاني حجابه ، وفي الغائب أيضا ذاته الأقدس ، فإنه متجل لعباده بأمره وخلقه ، والخلق
عينه بوجه وغيره بوجه : ظهوره بالأول ، وحجابه بالثاني : ( سنريهم آياتنا في الآفاق وفي
أنفسهم لتبين لهم أنه الحق ) . وقوله ، صلى الله عليه وآله وسلم : ( إن لله سبعين ألف
حجاب من نور ، وسبعين ألف حجاب من ظلمة ) . فإذا كان التجلي بالانفصال
والفيضان ، يستحيل أن يكون في مرتبة المتجلي ، فالتجلي دون المتجلي ، والمتجلي فوق
التجلي . غير ذلك لا يكون . ثم اعلم ، أنه تعالى يمتنع أن يتجلى ويظهر لما سواه بنفس ذاته الأقدس ، بالدراية
والديانة واتفاق أهل الله وأصحاب القلوب وأهل الشهود . والأخير يظهر بالتتبع في أقوالهم
وزبرهم .
أما الديانة - فقوله تعالى : ( ويحذركم الله نفسه ) . وقوله تعالى في جواب موسى بن
عمران ، على نبينا وآله عليه السلام ، حيث قال في طلب الرؤية ( رب أرني أنظر إليك ) :
( لن تراني ولكن أنظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني . فلما تجلى ربه للجبل جعله
دكا وخر موسى صعقا ) . أي ، يمتنع أن يشاهدني غيري ، أو يراني سواي بظهور نفس ذاتي
وجلاء عين هويتي له بلا حجاب ، ولكن أنظر إلى الجبل لتنظر إلى وتراني من وراء حجاب
التجلي ، وإن كان التجلي يفنيك ، فإني أبقينك . فإن التجلي قد تفنى وقد لا تفنى ، وقد
يوجب الرؤية وقد لا يوجب الرؤية ، كما ستعلم كل ذلك إنشاء الله تعالى .
واعلم ، أن الفناء في الذات قسمان : فناء استهلاك ، كضياء نور السراج والكواكب
في نور الشمس ، وحينئذ يبقى عين الفاني وذاته ويرتفع حكم إنيته ويبقى بعد الفناء وله
الفرق بعد الجمع ، وفناء هلاك ، كفناء الأمواج عند سكون البحر ، وحينئذ يزول الفاني
ويرفع عينه ولا يبقى أثره وليس له البقاء بعد الفناء لامتناع إعادة المعدوم .
وأما الدراية - فإنا إذا فرضنا أنه تعالى تجلى بغيره بنفس ذاته الأقدس ، فإما أن يتجلى بأن
ينزل عن مرتبة ذاته إلى مرتبة ذلك الغير ويتجافى عنها ، وإما بأن يتصاعد ذلك الغير إليه
ليشاهده ويراه ، وكل منهما باطل :
أما الأول ، فلأنه يوجب أن يكون ما لا يتجدد متجددا ، ويوجب التغير في ذاته
الأقدس . تعالى عن ذلك علوا كبيرا .
وأما الثاني ، فلأنه يوجب أن يكون الشئ خارجا من القوة إلى الفعل من غير مخرج
إياه ، بل يوجب أن يسعى إلى هلاك نفسه وبطلان ذاته ، ويوجب أن يكون المعدوم
مشاهدا له رائيا إياه ، والكل باطل . وإذا كان التالي ، بكلا قسميه ، باطلا ، فالمقدم مثله .
إذا عرفت ذلك ، فنقول : التجليات الإلهية إما ذاتية ، وإما أسمائية . والمراد
بالتجليات الذاتية ما يكون بأسماء الذات . وهي على ما عينه الشيخ في إنشاء الدوائر ونقل
عنه الشارح المحقق القيصري ، ثلاثون اسما مذكورة في المقدمة . ومن الأسماء ما هي
مفاتيح الغيب التي لا يعلمها إلا هو ومن تجلى له الحق بالهوية الذاتية ، أي الوجود الإطلاقي
اللا بشرط ، وهو القطب الكامل الذي يسرى في جميع الموجودات ، بل المعدومات
والممتنعات . فإنا قد بينا أن الحقيقة المحمدية سارية في جميع الأعيان الثابتة من الممكنات
والممتنعات . والممكنات منها موجودة في الخارج ، ومنها معدومة سيوجد في الدنيا
والآخرة ، ومنها معدومة لم يجد ولا يوجد . وهي سارية في القديم والحادث ، وحاكمة عليهما
كالحقائق الكلية من العلم والقدرة والحياة . وفي الزيارة الجامعة : ( وأرواحكم في
الأرواح وأجسادكم في الأجساد ، وقبوركم في القبور ) .
مراد از ( سريان ) ظهور است ، إما ظهورا بذاته ، أو الظهور في الغير . اين است معناى
سريان أصل حقيقت در واجب باعتبار ظهوره في ذاته وشهود ذاته في مجالي أسمائه ، ثم
الظهور في الأعيان الثابتة . وأين است مراد از سريان حق در مقام تجلى فعلى به ( فيض
مقدس ) . ( ج )
قال بعضهم :
أنا الموجود والمعدوم والمنفي والباقي * أنا المحسوس والموهوم واللاقي والراقي
أنا المحلول والمعقود والمشروب والساقي * أنا الكنز ، أنا الفقر ، أنا خلقي وخلاقي
فلا تشرب بكأساتي ففيها سم أحداقي * ولا تطمع ولوجا فهو مسدود بأغلاقي
يعنى ، أن يشرب كل أحد بكأسه ، وهو التوحيد ، إذ فيه سم عيونه وأحداقه ، وهي الأنظار
الدقيقة . فإذا اختار المبتدي ذلك ، قتل بسيف سياسة الشرع ، أو قتل بسيف ملامة الزندقة :
نكتهها چون تيغ ألماس پولاد است تيز * چون ندارى تو سپر واپس گريز
ولا تطمع . . . أي ، لا تطمع الدخول في حرم ذلك المقام بدون تطهير القلب عن أرجاس
الإمكان ، فإنه بيت الله الحرام :
غسل در أشك زدم كاهل طريقت گويند * پاك شو أول پس ديده بر آن پاك انداز
و ( الأغلاق ) ، هي التعينات الإلهية التي في السفر الثاني من الأسفار الأربعة . وكأنا قد
خرجنا عما كنا بصدد بيانه .
قال تعالى : ( عالم الغيب ، فلا يظهر غيبه على أحد إلا من ارتضى من رسول ) . وإليه
أشار النبي ، صلى الله عليه وآله ، في دعائه بقوله : ( أو استأثرت به في غيبك ) . قيل : وهي
داخل تحت الاسم ( الأول ) و ( الباطن ) بوجه . أقول : هذا الوجه هو الذي قلنا : الاسم مع
كونه هو الذات مع الصفة ، ينقسم إلى أسماء الذات ، وأسماء الصفات ، واشتمال الذات
على الصفات بكونها عينها ، لأنها شؤونه الذاتية ، ولا تعلق لهذه المفاتيح بالأكوان . قال
الشيخ في فتوحاته المكية : ( وأما الأسماء الخارجة عن الخلق والنسب ، فلا يعلمها إلا هو ،
لأنه لا تعلق لها بالأكوان ) .
فلنرجع إلى إتمام أمر التجلي : فالتجلي إما أن يكون موجبا لفناء المتجلى له ، أو لا يكون .
والأول كالتجلي بالوحدة والقهارية ، كما قال تعالى : ( ونفخ في الصور فصعق من في
السماوات ومن في الأرض ) . وقال : ( لمن الملك اليوم لله الواحد القهار ) . أي ، إذا تجلى
الحق في صور من في السماوات والأرض ، فصعقوا واستهلكوا ولم يبق لهم اثر ويقول :
( لمن الملك اليوم ) ويجيب عن نفسه : ( لله الواحد القهار ) . وحينئذ لا شاهد ولا مشهود إلا
نفسه تعالى ، وليس كلامنا فيه . والثاني ، إما تجلى ذاتي ، أو أسمائي . فإن كان أسمائيا ،
كالتجلي باسمه ( العليم ) ، يشاهد السالك إليه ذاته الأقدس من وراء ذلك التجلي
العلمي . والعلم حجاب الله الأكبر ، بمعنى أنه مظهره والمظهر حجاب الذات . و ( الأكبر )
صفة الله ، أو صفة العلم : فإن كان صفة الله فلا إشكال ، وإن كان صفة للعلم ، معناه : أنه
حجاب أكبر من سائر الحجب في العظمة والشرافة ، لا في الستر والغلظة . وذلك لأن كل
صفة يظهر موصوفه للموصوف بجميع الأوصاف ، فيظهره بوجه ويحجبه بوجه . وإن
كانت الصفة ( الألوهية ) والمتجلي اسم ( الله ) الجامع لجميع الأوصاف ، يظهره بعدة
اتصافه لا بشدتها ، فإن الشدة أن يكون كل صفة عين جميع الأوصاف وعين الذات أيضا ،
ولا يتجلى صفة بتلك الصفة ، لأنا قد قلنا إن الأسماء المستأثرة لا تعلق لها بالأكوان ، ولا
يعلمها إلا هو . وبذلك يندفع إشكال قوى ، وهو أن الإنسان الكامل مظهر لاسم ( الله )
الجامع لجميع الأسماء ، فإذا تجلى له ربه بصورة اسمه الجامع يجب أن يشاهده بجميع
كمالاته ، لا بصفة دون صفة ، فكيف لا يراه وكيف يمتنع رؤيته ؟ ولم يكن المانع إلا حيطته ،
والكامل مظهر الحيطة . والجواب ، أن الكامل مظهر عدة
كمالاته لا شدتها ، وشدة كمالاته لا مظهر لها ، وليس يمكن أن يكون لها مظهر . كيف ، والمظهر دون الظاهر ،
والتجلي دون المتجلي وإن كان ذاتيا ، كما إذا تجلى للمتجلى له باسمه ( القدوس ) ، مثلا ،
فحينئذ لا يرى المتجلى له سوى ذات القدوس . فذلك المرئي إما أن يكون عين ذاته
الأقدس الواجب وجوده وقد تنزل عن مرتبته إلى مرتبة المتجلى له ، أو تصاعد المتجلى له في
مرتبة تلك الذات المتجلية بذاته ويشاهده ، وقد علمت بطلانهما ، وإما أن يكون المتجلي
يتنزل مرتبته من أن يتغير ذاته ويتجافى في مرتبته ، وحينئذ يكون على صورة غير صورة نفس
ذاته المطلقة وعلى تنزل عن درجته ، ولا صورة زائدة على ذاته لذاته ، ليكون على تلك
الصورة ، ولا يتجلى إلا بصورة يستعد المتجلى له لها ، ولا بد من أن يكون المتجلى له طاهرا
مطهرا عن الأدناس والأرجاس ومن العوارض الغيرية ، فلا صورة له إلا صورة عينه
الثابتة ، فلا محالة يتجلى تلك الصورة ، والحق المتجلي بصورة عين من الأعيان الثابتة نفس
ذلك العين الثابت ، لأن العين الثابت هو الحق المتجلي بصورته ، فيكون المتجلي عين
المتجلى له ، فما يرى المتجلى له إلا عينه الثابت فيما يرى الحق المطلق ويرى عينه الثابت .
فالمرئي في التجلي الرائي عين المتجلى له . فافهم وتبصر قول المصنف : ( والتجلي من
الذات لا يكون أبدا إلا بصورة استعداد المتجلى له ، غير ذلك لا يكون ) . فظهر أيضا معنى
قوله : ( فإذا المتجلى له ما رأى سوى صورته في مرآة الحق ، ولا يمكن أن يراه ) .
قوله : ( مع علمه أنه ما رأى صورته إلا فيه كالمرآة ) . بيان حال الكامل المتجلى له ، فإنه
إذا رأى عينه الثابت ، يعلم أن ما رآه عينه الثابت ، ويعلم أنه رأى ذلك العين بالتجلي
الذاتي الإلهي وما يرى الذات الإلهية . مثاله في الشاهد المرآة ، وقد بينه الشيخ ، قدس
سره ، ومثال آخر له في العقل ، الماهية والوجود المطلق : فإن الماهية هو الوجود الخاص في
العين والخارج ، والوجود الخاص ليس سوى الوجود المطلق المتعين بذلك التعين المسمى
بالإنسان ، مثلا ، وأنت ترى الإنسان في الوجود المطلق ولا ترى الوجود المطلق . فافهم
وتبصر ، وفقك الله بفهمه . ( من حضرة الأستاذ العارف ، آقا محمد رضا قدس الله نفسه )
قد تمت بعون الله على يد أقل مظاهر الله ، سيد على أكبر بن سيد عبد الحسين بن سيد محمد صادق الطباطبائي ، قدس الله روحه ، في ليلة الأحد من
شهر ربيع الثاني 1312 - هزار وسيصد ودوازده .