فإن الذي يعلمه مفصلا . ( يعلم ما في علم الله فيه ) أي ، في شأن العبد من أحوال
عينه الثابتة . وذلك يكون ( إما بإعلام الله إياه بما أعطاه عينه من العلم به ) أي ، بأن
يلقيه في روحه وقلبه ويعلمه بأن عينه الثابتة يقتضى هذه الأحوال المعينة من غير أن
يطلعه على عينه كشفا . ( وإما بأن يكشف له عن عينه الثابتة وانتقالات الأحوال
عليها إلى ما لا يتناهى ) فيشاهدها ويطلع عليها وعلى لوازمها وأحوالها التي يلحقها
في كل مقام ومرتبة . فإن كان عينه مظهرا للإسم الجامع الإلهي ، كعين نبينا وعين
خاتم الأولياء صلوات الله عليهم ، كان مطلعا بجميع الأعيان من عين اطلاعه
على عينه لإحاطة عينه بها ، كإحاطة الاسم الذي هو مظهره بالأسماء كلها . وإن
كان قريبا منه في الإحاطة ، كان مطلعا على حسبه . وإن لم يكن له إحاطة أصلا ،
لا يطلع إلا على عينه فقط . ( وهو أعلى ، فإنه يكون في عينه بنفسه بمنزلة علم الله
به ، لأن الأخذ من معدن واحد ) وهو العين المعلومة . أي ، كما يتعلق علم الله به
فيعلمه ، كذلك يتعلق علم هذا الكامل به فيعلمه ، إلا أن الفرق حاصل بين
العلمين : بأن علم الله به لذاته لا بواسطة أمر آخر غير ذاته ، وعلم العبد بعينه
وأحوالها حينئذ بواسطة العناية من الله في حقه . وهذا معنى قوله : ( إلا أنه من جهة
العبد عناية من الله سبقت له ، هي من جملة أحوال عينه الثابتة ، يعرفها صاحب هذا
الكشف إذا أطلعه الله على ذلك ، أي على أحوال عينه ) ( 7 ) وهذا نهاية مقامات
المكاشفين في السفر الثاني . بين أولا أحوال السائلين مبتدءا من مقام المحجوبين
متدرجا إلى غاية مقام المكاشفين .
واعلم ، أن العناية الإلهية من وجه ينقسم على قسمين : قسم ما يقتضيها
العين الثابتة باستعدادها ، فيكون العناية تبعا لها ، وقسم يقتضيها الذات الإلهية
لا العين الثابتة ، وإن كان الكل راجعا إليها . وأما الأول ، فهو بحسب فيضه
المقدس المترتب على الأعيان وأحوالها واستعداداتها . وأما الثاني ، فهو بحسب
الفيض الأقدس الجاعل لها ولاستعداداتها . فهذه العناية متبوعة ، إذ الفيض
هامش
( 7 ) - أي ، بعد وجوده لا قبله ، كما علم الله منه قبل وجوده . ( ج )