المقدمات ، من أن أعيان العالم إنما حصلت في العلم من تفصيل العين الثابتة
الإنسانية .
واعلم ، أن للعالم اعتبارين : اعتبار
أحديته ، واعتبار كثرته . فباعتبار أحديته الجامعة يسمى بالإنسان الكبير ، وباعتبار كثرة أفراده ليس له الأحدية
الجامعة كأحدية الإنسان ، إذ لكل منها مقام معين . فلا يصح أن يقال ، ليس
للعالم أحدية الجمع مطلقا . كيف لا ؟ وهو من حيث المجموع صورة الاسم
الإلهي كما للإنسان ، لذلك يسمى بالإنسان الكبير ، إلا أن يراد به أفراده .
( فالعالم شهادة والخليفة غيب ، ولهذا تحجب السلطان ) أي ، العالم ظاهر
والخليفة باطن . وإنما أطلق ( الشهادة ) عليه ، مع أن بعضه غيب كعالم الأرواح
المجردة ، مجازا بإطلاق اسم البعض على الكل . فالمراد ب ( العالم ) هنا العالم الكبير
الروحاني والجسماني ، لأنه صورة الحقيقة الإنسانية وهي غيبه . ولما كان الإنسان
الكامل مظهرا لكمالات هذه الحقيقة وخليفة ومدبرا للعالم ، جعله غيبا باعتبار
حقيقته التي لا تزال في الغيب وإن كان الخليفة موجودا في الخارج . وكون الخليفة
غيبا أيضا اتصاف بصفة إلهية ، فإن هويته لا تزال في الغيب . وإنما جعلنا الخليفة
غيب الأرواح أيضا ، لأن ما يفيض على العقل الأول وغيره من الأرواح أيضا إنما
هو بواسطة الحقيقة الإنسانية لأنه أول مظاهرها ، كما قال ، صلى الله عليه وسلم :
( أول ما خلق الله نوري ) . أي ، نور تعيني وحقيقتي الذي هو العقل الأول ( 147 )
الذي ظهر في عالم الأرواح أولا . ولا شك أن المظهر مربوب لما ظهر فيه ، وإن كان
باعتبار آخر هو يرب ما دونه من الأرواح وغيرها ، لذلك يبايع القطب هو ومن
دونه ويستفيد منه .
هامش
( 147 ) - وحقيقتي التي هي العقل الأول . . . ( ج )