الدنيا ما اختزنه الحق فيها من الكمالات .
فان قلت : الكامل ختم حافظ للخزائن ، ولا يلزم من انتقال الختم الحافظ
انتقال الخزائن ، فكيف قال : ( ولم يبق فيها ما اختزنه الحق ) ؟
قلت : الكامل ختم للخزائن وحافظ لوجودها ، إذ الأسرار الإلهية مفصلة
في العالم ومجموعة في الكامل ، كما قال الشاعر :
كل الجمال غدا لوجهك مجملا * لكنه في العالمين مفصلا
ولا يتجلى الحق على العالم الدنيوي إلا بواسطته ، كما مر ، فعند انتقاله ينقطع عنه
الإمداد الموجب لبقاء وجوده وكمالاته ، فينتقل الدنيا عند انتقاله ويخرج ما كان
فيها من المعاني والكمالات إلى الآخرة . قال ، رضي الله عنه ، في التسمية الإلهي
بالاسم الرباني ( 68 ) : ( ألا ترى الدنيا باقية ما دام هذا الشخص الإنسان فيها )
والكائنات يتكون والمسخرات تتسخر ، فإذا انتقل إلى الدار الآخرة ، مارت
هذه السماء مورا ( 69 ) وسارت الجبال سيرا ( 69 ) ودكت الأرض دكا ، وانتشرت
الكواكب وكورت الشمس وذهبت الدنيا وقامت العمارة في الدار الآخرة بنقل
الخليفة إليها .
قوله : ( والتحق بعضه ببعض ) أي ، التحق بعض ما اختزنه الحق في الدنيا
ببعض ما اختزنه في الآخرة . وذلك لأن كل ما هو موجود في الظاهر من الحقائق
والمعاني موجودة في عالم الباطن الذي بظهوره يحصل الآخرة على صورة يقتضيها
عالمها ، ( 70 ) وهو أصل بالنسبة إلى ما في الظاهر . فإذا انتقل هذا البعض منها ،
التحق ببعضه الذي هو أصله في الآخرة ، وانتقل الأمر الإلهي إليها .
( فكان ختما ) أي ، هذا الكامل كان ختما حافظا على خزانة الآخرة ختما
هامش
( 68 ) - في الفتوحات في باب تسمية الاسم الإلهي . ( ج )
( 69 ) - أي ، تضطرب . وتسير الجبال هباء منبثا . ( ج )
( 70 ) - فإن كانت الآخرة مثالا فبالشكل والمقدار ، وإن كانت عقلا فبالصورة دون المقدار . ( ج )