رب القوم . وهذا الإطلاق أيضا هو للحق ، لأنه هو الذي يرب عباده في صور
مظاهره ومجاليه . فلكل من العباد نوع من الربوبية . وأعلى أنواعه في
صور التفاصيل للخليفة على العالم كله ، ثم للخليفة في الباطن وحده ، ثم للخليفة
في الظاهر وحده . لذلك قال : ( أنا ربكم الأعلى ) فأضاف إليهم وجعل لنفسه ما
هو أعلى منهم ، لتحكمه عليهم بالسيف ، وإن كان لكل منهم نصيبا من الربوبية .
وقد مر في المقدمات تنبيه في هذا المعنى ، فليطلب هناك تحقيقه .
( ولما علمت السحرة صدقه فيما قاله ، لم ينكروه وأقروا له بذلك ، فقالوا له :
( إنما تقضى هذه الحياة الدنيا فاقض ما أنت قاض ) ( 29 ) فالدولة لك . فصح قوله : ( أنا
ربكم الأعلى ) . ) أي ، من حيث الربوبية الإضافية الحاصلة في المظاهر .
( وإن كان عين الحق ، فالصورة لفرعون . ) جواب عن سؤال مقدر .
تقديره : أنك جعلت الحق عين الأعيان في الكتاب كله ، فصح إطلاق الربوبية
المطلقة عليه لأنه عينه . فأجاب بأنه وإن كان عينه عين الحق من حيث الأحدية ،
لكن الصورة الفرعونية تعينه وتجعله متميزا عنه باعتبار ، فلا يصح
ذلك الإطلاق .
( فقطع الأيدي والأرجل وصلب بعين حق ) وهو الهوية الإلهية الظاهرة بكل
شئ وفي كل شئ . ( في صورة باطل ) وهي الصورة الفرعونية الفانية . ( لنيل
مراتب لا تنال إلا بذلك الفعل . فإن الأسباب لا سبيل إلى تعطيلها ) يجوز أن يكون
تعليلا لقوله : ( فاقض ما أنت قاض ) . أي ، قالوا ذلك لعلمهم بأن تعذيبه إياهم
موجب لنيل المراتب الكمالية التي
لا تنال إلا بذلك التعذيب . فإن درجة الشهادة لا تنال إلا بالقتل ظلما ، لأن الأسباب وسائط للوصول إلى المسببات .
ويجوز أن يكون تعليلا لقطع وصلب . فمعناه : قطع ليظهر تحكمه
وسلطنته عليهم ، فينقادوا لحكمه في الدنيا ويصل إلى مقتضى عينه ونتائج طبعه
ونشأته العنصرية في الآخرة من العذاب بالنار وغيرها . ويجوز أن يكون تعليلا
هامش
( 29 ) - وفي الآية الكريمة : ( فاقض ما أنت قاض إنما تقضى هذه الحياة الدنيا ) . ( ج )